أحدث الأخبار
المفكر الشيخ جودت سعيد يُقيّم دور المفكر في الثورات
13 January 2013 Sunday

المفكر الشيخ جودت سعيد يُقيّم دور المفكر في الثورات

تحقيق ( 3من 3):هل تحتاج الثورة السورية إلى مفكرين ولمَ غابوا؟

 

تختتم أورينت نت تحقيقها الذي استعرض آراء وشهادات مفكرين وباحثين سوريين وعرباً حول موضوع آني ومستقبلي يمس جوهر الثورة ومآلاتها ، بشهادة لمفكر سوري إسلامي عُرف بانحيازه للثورة منذ أيامها الأولى ، وقبل ذلك انضم في نسق المطالبين بالتغيير السلمي الحضاري، سلاحه كلمةٌ سواء وإعمال العقل وتغليب المحبة . إنه المفكر السوري الشيخ جودت سعيد . 
ويعرف جودت سعيد بأنه داعية اللاعنف في العالم الإسلامي أو غاندي العالم العربي. وقد عبر عن سعادته بهذا الوصف في مناسبات عدة، وكان أول ما كتبه في مطلع الستينيات كتابه (مذهب ابن آدم الأول، أو مشكلة العنف في العمل الإسلامي) وهو يناقش مبدأ اللاعنف وعلاقته الجذرية بالإسلام، لكن يمكن للبعض أن يرى أن القصد من وراء الامتناع عن استخدام العنف أو القوة هو في واقع الأمر اللجوء إلى العقل والتفكير. لذلك كانت دعوته إلى اللاعنف دعوة للعقل في أساسها.
وحول سؤالنا عن دور المفكر في الثورة السورية ، خصَّ الشيخ جودت أورينت نت بالشهادة التالية : 

"الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، والآمرين بالقسط من الناس.
قبل نحو نصف قرن كتبت كتابًا تحدثت فيه عن دور المفكر والفكر في الأزمات. صحيح أنني كنت أتحدث فيه عن أزمة العالم الإسلامي، وصحيح أني كتبته قبل نصف قرن، وهذا زمن حدثت فيه تطورات كثيرة في عالم يتغير باطراد وبسرعات كبيرة، لكن المنطلقات التي في الكتاب - من وجهة نظري- ما زالت صالحة لمقاربة الأزمة العالمية ، كان عنوان الكتاب جزءًا من نص قرآني: ((حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) وخلاصة القول فيه أن الأزمة تنشأ في الفكر قبل أن تنشأ في الواقع، الأزمة تنشأ عند المفكر قبل أن تتجلى عند السياسي، العالم في أزمة لأن المفكر في أزمة، وهذا يشمل كل أزمات العالم: أزمة البيئة والمناخ، أزمة الغذاء، أزمة الاقتصاد، أزمة التعايش، أزمة النزاعات والحروب المختلفة، كل هذه الأزمات لها منشأ واحد هو أزمة الأفكار، هذه كانت خلاصة ذلك البحث، وهي بحسب تصوري مازالت راهنة.
إن الأفكار والمفكرين هما منشأ الأزمة، سواء فيما يقدمونه أو فيما لا يقدمونه للناس، ولذلك فإنه من التزوير الكبير أن يحضر المثقف في الأزمات كمنقذ. إن من الأجدر به أن يحضر كمتهم ، أن يحضر للمراجعة واتهام الذات والبحث الجذري، وإعادة النظر في المنطلقات. لكن وبكل أسف ومرارة، فإن دور المثقف إلى اليوم يعتريه تشوهان كبيران:
ـ إما أنه في وعيه وفهمه يسير خلف التاريخ، ومن ثم فإنه لا يملك القدرة على رؤية راهنة للعالم، تستند على التاريخ وتستشرف المستقبل، تمكنه من تقديم مشورة نافعة ونصح سديد للساسة تساهم في تغيير التوجه العالمي المنتج للأزمات.
ـ أو أنه متواطئ صامت راض بما تؤمنه له الأوضاع السائدة من امتيازات أنانية تجعله يغض الطرف عما يحدث في العالم، وعندما يستشيره الساسة يقدم لهم ما يريدون لا ما ينبغي عليهم فعله ، بل إن هذا التواطؤ بحسب المفكر الفرنسي بيير بورديو هو العامل الأساس فيما نحن فيه من أوضاع.
واليوم أشعر أن من واجبي أن أقدم وجهة نظري كإنسان يراقب هذا العالم الصاخب الذي اختلطت فيه المصالح والمغارم، عالم يتمتع فيه خمس البشرية بالمعرفة والثروة والامتيازات، بينما يعيش أربعة أخماس البشرية في فقر وفساد وبؤس. 
وسأحاول هنا أن أشرح وضعًا بشريًا صعبًا، ليس لأنه غير واضح، بل هو واضح جدًا، لكن وضوحه مثل وضوح الشمس ، التي ظن الناس لقرون طويلة، أنها تدور حولهم فتبين أنهم يدورون أمامها وحولها. إننا نعيش أمورًا كثيرة بهذا الوضوح والخفاء، والموضوع الذي نحن بصدد بحثه هو من هذا النوع الخفي الجلي في آن واحد.
في العالم الذي نعيش فيه اليوم، تتمتع قلة قليلة لا تزيد عن 20% من البشر بـ80% من الثروة، بينما تتراجع حصة الـ20% الأدنى إلى ما دون 1.4%. وفي كل مجتمع من المجتمعات تقسم الثروة بطريقة شبيهة بذلك. كما أن النظام العالمي الحالي يكاد يكون مكرسًا للحفاظ على هذه القسمة وضمان تلك الامتيازات، وكل القلق من امتلاك دول جديدة للسلاح النووي مرده الرغبة في الابقاء على هذه القسمة الجائرة للسلطة والثروة في العالم وفي داخل الدول.
إن الدنيا لم تبتدئ عندنا، ولن تنتهي عندنا، والإنسان عاش عريانًا في الكهف يأكل لحم أخيه الإنسان قبل 10 آلاف سنة فقط، ، ولكن هذه الفترة من عمر الإنسانية أشبه بالسنين الأولى من عمر الطفل، حيث يعجز أن ينظف نفسه، ولا يعيبه ذلك، ولكن العيب أن يظل كذلك بعد أن يبلغ رشده، عار كبير على المثقفين أن البشر ما زالوا يقتل بعضهم بعضًا.
إن وجودنا في هذا العالم ليس عبثًا، ولا باطلاً، ولا لعبًا، إن سعادة الإنسان تنبع من خدمته لقضية عادلة. وأعظم القضايا هي أن يتوقف الفساد وسفك الدماء. 
لقد انتهى عهد الأنبياء وانتقلت المسؤولية إلى أهل العلم ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ومن الظلم إلى العدل ومن الاستعباد إلى الحرية، من الفساد وسفك الدماء إلى ((إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)) ، إن أقرب الناس إلى الله هم الذين يُقدِّمون الخدمات لإخوانهم البشر، والأنبياء جاؤوا ليتنافس الناس في فعل الخير، فلنتنافس نحن كيف نصنع السلام العالمي، وكيف نصنع المجتمع العالمي الذي يتساوى الناس فيه أمام القانون، ونكون بذلك حققنا إرادة الله وأمنية الأنبياء.
المجد لله في الأعالي وللناس المحبة وعلى الأرض السلام"..

أورينت نيوز.نت

لم يتم اضافة تعليق لغاية الآن.
عناوين الاخبار الاخرى
مختارات