أحدث الأخبار
 رحلة عبد الرحمن من جيش الأسد إلى صفوف الثوار!
03 February 2013 Sunday

رحلة عبد الرحمن من جيش الأسد إلى صفوف الثوار!

دراما سورية

 

أكاد أجزم بأن حكاية عبد الرحمن - وحدها - تلخص حكاية السوري الذي كان نائماً عقوداً في ظل حكم الاستبداد غائباً مغيباً عن وعيه وواقعه، كيف لا وهو الذي عاش وتربى في ظل مقولات وعناوين عريضة براقة كل ما فيها جميل الوقع على الأسماع، ولا ينقصها إلا أن تكون حقيقية حتى يكتمل مفعول سحرها على النفوس والواقع السوري البائس. عبد الرحمن الذي التحق بصفوف (الجيش العربي السوري) بداية الشهر الثالث من العام 2011 قبل اندلاع الثورة السورية بأسبوعين (وهو الشاب القروي البسيط)، كان يقصد خدمة الوطن ليس إلاّ، غير أن الأمور كانت على ما بدا له – حينها – تمضي باتجاه آخر يفوق قدرته على التصور والاحتمال. تنتهي دورة الأغرار ويأخذ إجازته الأولى ليستمع من أهله عن ثورة بدأت تنتشر في سوريا كانتشار النار في الهشيم. فيقول لهم: ولكنها عصابات إرهابية سلفية مدعومة من مؤامرة خارجية!!!. لم يكن أهله في تلك الأيام الأولى للثورة قادرين على مناقشته كثيراً أو الدخول في محاولة إقناعه بالتخلي عن (خدمة العلم!!!) فالانشقاقات العسكرية لم تكن قد بدأت بعد، ولم يخطر على بال أهله أصلاً دعوته الصريحة للانشقاق، على الرغم من كونهم مؤيدين للثورة منذ أيامها الأولى... ما العمل يا ترى؟! يتساءل والد عبد الرحمن.

 جماعة مسلحة ومقاتل أردني!
يعود عبد الرحمن إلى قطعته العسكرية في قيادة الفرقة السابعة في (زاكية) بريف دمشق، ثم ينتقل منها إلى (خان الشيح) حيث اللواء 168 التابع للفرقة السابعة، وفي منتصف الشهر السابع يسافر والده إليه خصيصاً، كي يحاول إقناعه أن يحصل على إجازة بأي طريقة، ويجرب إفهامه أنه لن يسمح له بالعودة إلى الجيش مرة أخرى، فيسأل عبد الرحمن مستغرباً... ويقول له الأب جازماً: خلص الوضع انتهى..أنا لا أريدك أن تموت، لست خائفاً عليك من مجرد الموت، لأن الإنسان لا يموت إلا بأجل مسمّى، ولكنني لا أريدك أن تموت دفاعاً عن النظام القاتل، ولا أن تتورط بالقتل معهم، هذان الخياران لا أريدهما لك يا بني، لا تمُت في المكان الخطأ! جامل عبد الرحمن والده وجاراه بالكلام، دون أن يعلق، ثم ذكر له حادثة حصلت مع زملائه الذين ذهبوا الى (أريحا) في ريف إدلب، واشتبكوا مع جماعة مسلحة تبين لهم أن أحدهم أردني الجنسية. فسأله والده: هل شاهد زملاؤك الشخص الأردني بأعينهم؟!.. قال: والله لا أعرف. فقال له: حين ترجع الآن اسألهم هذا السؤال، لأنني متأكد أنهم لم يروا لا أردنياً ولا سواه، الضابط روى أمامهم هذه الحكاية المختلقة فقط! انتهت الزيارة ولم تنجح أيضاً هذه المحاولة في إقناعه نهائياً، فقد كان يرى أن سوريا تتعرض لمؤامرة كونية كما يقول له الضباط، وأن واجبه الدفاع عنها.

 أهالي أريحا (مجرمون)! 
في نهاية الشهر 12 من عام 2011 اتصل بوالده يعلمه أنه قد انتقل إلى أريحا، وأعطاه عنوانه الجديد، فذهب إليه مرة أخرى يحاول إقناعه بالخروج من هذا الجيش القاتل. كان ورفاقه يتمركزون قريباً من جسر أريحا لمؤازرة الحاجز الأمني هناك، فالتقى معه برفقة زملائه الجنود قرابة الساعة ونصف، ثم انفرد بابنه جانباً وقال له: إذا لم تستطع أن تحصل على إجازة فأنا على استعداد لتأمين خروجك من هنا بأي طريقة، فلم يبد (الابن مع أبيه) أي شكل من أشكال التجاوب، ثم سأله والده عن الطعام ونوعيته وكيف يصلهم وهل يكفيهم؟!. فأجابه: الطعام لا يصلنا بانتظام وهو غير كاف أصلاً، فاستغرب والده وقال: طيب هذا هو السوق أمامكم لماذا لا تشترون منه؟!.. فأجاب عبد الرحمن: حدثت مشكلة منذ عدة أيام حين ذهب عدد من العساكر لإحضار الطعام ولم يعودوا، ربما قتلوا لأن أهل المنطقة هنا (مجرمون وتكفيريون)! ضحك الوالد وقال: يا بني لا يوجد مجرمون هنا سوى من يروجون هذه الأفكار عن أبناء بلدك... هؤلاء الجنود قاموا بالانشقاق بمساعدة سكان المنطقة وهم الآن بين أهلهم. مرة أخرى لم يقتنع عبد الرحمن (المجند في صفوف الجيش العربي السوري) بشيء مما قاله له والده تلميحاً أو تصريحاً، كان هذا اللقاء بينهما يوم السبت وافترقا على أمل التواصل في الأيام القادمة، وفي يوم الجمعة الذي تلى اللقاء معه تعرض والده للاعتقال من قبل الأمن العسكري.

 أبي في سجون النظام الذي أدافع عنه! 
في شهر شباط 2012 وكان الوالد ما يزال موقوفاً في سجن عدرا المركزي بدمشق، وكانت تتاح لهم إمكانية الحصول على مكالمة هاتفية مع الأهل، وأثناء إحدى المكالمات قالت له زوجته إن (عبد الرحمن) الآن في البيت، وكان قبل اعتقاله قد رتب الأمر معها بشكل مسبق ففي حال وصوله إلى البيت بأي طريقة يجب منعه من العودة، وبما أن والده كان على وشك الخروج من المعتقل، فقد أكد عليها أن يبقى ابنه في البيت على الأقل حتى خروجه ورؤيته، واتفقا. أثناء وجوده في البيت كان عبد الرحمن على قناعة تامة بأنه يؤدي واجبه الوطني ضد العصابات الإرهابية المسلحة، وقام كل من في البيت بمحاولة مساعدته على فهم ما يحدث، فحدثوه عن اعتقال والده ظلماً، ثم ابتدأ يشاهد قنوات تلفزيونية غير القنوات السورية الموالية لأول مرة، إضافة إلى ما سمعه من أعمامه وأصدقائه وجيرانه، وبدأ يظهر عليه أنه قد استوعب للمرة الأولى ما يحدث وقرر منذ هذه اللحظة عدم الالتحاق بقطعته ومن ثم الانشقاق رسمياً والانضمام إلى صفوف الثوار والانتقام من تلك الكذبة التي كان يعيشها والتي كادت أن توصله إلى حدود قتل أبناء بلده. يروي عبد الرحمن بعد ذلك إحدى المفارقات الطريفة التي رواها لوالده دون أن يفهم مغزاها الحقيقي في حينه. فعندما حصل على إجازته طلب منه قائد كتيبته أن يأخذ بندقيته معه بحجة أن الطريق غير آمن، فرفض، ثم طلب منه أخذ مسدسه معه، وأيضاً رفض ذلك ببساطة شديدة تحت ذريعة أنه يخجل من اتهامه بالتباهي بها أمام الناس، بينما كان قائد كتيبته يحاول مساعدته بطريقة ما دون الإفصاح لأنه كان يتوقع منه الانشقاق، ولكنه لم يستطع التقاط الإشارة المناسبة في تلك اللحظة!

 ملازم برتبة شرف! 
بعد أن استعاد عبد الرحمن تركيز أفكاره ومراجعة الحقيقة التي رآها على ضوء اعتقال والده، ثم مقارنة الحالة التي كان عليها في صفوف الجيش الأسدي، قرر الالتحاق فوراً بلواء أحرار الشمال، وذهب فعلاً إليهم وفي الطريق التقى بعناصر كتيبة التوحيد وقائدها أبو عمارة الذي كان يعمل في ريف حلب الشمالي (عندان وقبتان الجبل وإعزاز وغيرها من المناطق) وسألوه عن اختصاصه في الجيش قبل الانشقاق، فذكر لهم أنواع الأسلحة التي تدرب عليها جيداً بدءاً من اختصاصه الأول "رامي آر بي جي" والدورات الخاصة والمهام الخاصة التي خضع لها من اقتحام ومداهمة ورامي رشاش وقناص، فقام عناصر كتيبة التوحيد بطلب الانضمام إليهم وتمسكوا به نظراً لأهميته ولحاجتهم الماسة له، هذا الأمر الذي أدى فيما بعد لحصول إشكالية بين كتيبة التوحيد ولواء أحرار الشمال. عاش عبد الرحمن تجربة غنية مع الثوار حين شارك في عدد كبير من العمليات العسكرية وشارك في تحرير عندان وقبتان الجبل وإعزاز ومارع وتل رفعت، وكان من المجموعة التي دخلت مبكراً إلى حلب قبل رمضان بفترة ليست قصيرة، حيث كان دخولهم لتنفيذ مهام قتالية معينة ثم يخرجون منها إلى أن استقروا داخل حلب في بداية رمضان. شارك عبد الرحمن في أغلب المعارك الكبيرة المنتصرة في حلب وريفها وكان له دور بارز محل تقدير واحترام من كل رفاقه ولذلك منحوه رتبة فخرية (ملازم شرف). حكاية عبد الرحمن واحدة من بين أنصع الحكايات عن شاب سوري ساعدته الظروف أن يخرج قليلاً إلى نور الحقيقة ويكتشف حجم الزيف.

أورينت.نت

لم يتم اضافة تعليق لغاية الآن.
عناوين الاخبار الاخرى
مختارات