أحدث الأخبار

د. حاكم المطيري / المنسق العام لمؤتمر الأمة

12 Punto 14 Punto 16 Punto 18 Punto

رؤية سياسية شرعية لمستقبل الثورة السورية

25 September 2012 Tuesday

 

الحمد لله وحده لا شريك له، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ..

أيها المجاهدون الأحرار، والأبطال الثوار، في أرض الرباط أرض الشام ..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..وبعد ..

فإنكم اليوم وأنتم تجاهدون طاغوت سوريا، فإنكم لا تجاهدونه وحده بل تجاهدون من وراءه من أنظمة ودول تقف خلفه بصورة أو أخرى، لعلمهم أن تحرير الشام له ما بعده، وأن المنطقة كلها ستتغير بشكل جذري، فهم يعملون جهدهم ليل نهار لقطع الطريق على الثورة وعلى مشروعها من أجل الحرية والكرامة والسيادة التي يتطلع لها الشعب السوري والأمة من ورائه..

أيها السوريون الأحرار والمجاهدون الأبرار ..

إن للنصر أسبابه وللظفر أبوابه وقد فتح الله لكم بابا عظيما نحو تحقيق النصر لكم وللأمة من ورائكم، فالله الله أن تغلقوا الباب، أو تتركوا الأسباب، وقد هيأها لكم!

وقد جاء القرآن ببيان أسباب الظفر وحذر من الإعراض عن هداياته، والصدود عن آياته، في الدنيا والآخرة فقال تعالى {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا}، وإن من الضنك والضيق ما يجده المؤمنون المخلصون والمجاهدون من مرارة الهزيمة ونكاية العدو بهم حين يعرضون عن هدايات الكتاب والسنة، فيؤتون من قبل أنفسهم لا من قبل عدوهم {قل هو من عند أنفسكم}!

وإن من أعظم أسباب النصر :

أولا : وحدة الكلمة ورص الصف، وهو أوجب ما يكون في ساحة القتال والجهاد كما قال تعالى {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}، وحذر من الافتراق وأنه سبب الهزيمة وذهاب الريح فقال {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}، وقد رأت الأمة في مشاهد كبرى وساحات عظمى من ساحات الجهاد وحروب التحرير والاستقلال كيف ضحت بالغالي والنفيس وكم قدمت من الرجال والأموال فلم يتحقق لها ما كانت ترجوه من النصر، لما وقعت فيما نهاه القرآن عنه، ومن ذلك الافتراق والتنازع كما حصل في أفغانستان والعراق وفلسطين!

ولو لم يرد في نصوص القرآن والسنة القطعية ما يوجب الوحدة ويحرم الافتراق لكان فيما تقضي به العقول الصحيحة والفطر السليمة والتجارب المشاهدة ما يوجب رص الصفوف، كيف والعدو نظام تقف خلفه دول وأمم كبرى قد وحدت مواقفها ونظمت دعمها بينما المجاهدون أوزاع وفرق ومجموعات أعجز من أن تغير الواقع العسكري والسياسي وحدها؟

أيها الأحرار الأبرار..

لقد مضى على الثورة سنة ونصف وهي مدة كافية لتنظيم صفوفها وتوحيد كلمتها، وكل يوم يمضي، يتأخر النصر فيه بتأخر تحقيق هذا الشرط!

وإنه لا يشترط اجتماع كل الكتائب والفصائل المجاهدة وإنما إذا تداعى أكثرها فقد تحقق المقصود.

ثانيا : ضرورة معرفة العدو والحذر منه، وقد فصل القرآن في هذا الأمر أحسن تفصيل وأوضح بيان، فيمن تجب الحيطة والحذر منهم، حيث لم يقتصر التحذير من العدو المباشر للعدوان ممن قال الله فيه {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} بل حذر من أعداء غيرهم أشد وأنكى وهم :

1- العدو الداخلي للأمة وهم المنافقون، ممن ثبتت ولايتهم للعدو الخارجي ومظاهرتهم له، وهم أشد أعداء الأمة خطرا كما في قوله تعالى {هم العدو فحذرهم قاتلهم الله}!

فركون المجاهدين في سوريا للأنظمة الوظيفية التي صنعها العدو على عينه منذ سيطرته على الأمة هو أول الوهن، والوثوق بهم هو أول الخلل، فهم وإن تظاهروا بوقوفهم مع الشعب السوري، ومع الثورة، فإنما ينفذون بذلك خطة أوليائهم من دول الاستعمار، فيجب الحذر منهم كما أمر الله، وعدم الركون إليهم، أو الوثوق بوعودهم، أو إطلاعهم على حال المجاهدين وأوضاعهم، فإنهم عين العدو الخارجي وسمعه!

ولم تتأخر الثورة عن تحقيق النصر إلا حين ركن كثير من المجاهدين والصالحين إليهم ظنا منهم أنهم ينصرونهم أو يعزونهم {أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا}!

ومثل المنافقين في شدة خطرهم المرجفون ممن يخوفون المجاهدين من عدوهم ويثبطون عزائمهم ويحذرونهم إن الناس قد جمعوا لكم، كما قال تعالى في التحذير منهم {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة..}..

وما زال المرجفون يحذرون من تسليح الثورة حتى إذا أدرك الشعب السوري أن النظام الحاكم ليس سوى عصابة إجرامية لا يردعها إلا القوة وتم تسليح الثورة، فإذا المرجفون يحذرون من تخلي العالم عن الثورة إذا أعلنت الجهاد، فلما أعلن الشعب الجهاد، إذا هم يخوفونهم ممن جاء ينصرهم من إخوانهم الذين أوجب الله عليهم النصر للشعب السوري!

2- العدو الخارجي وهم الذين قال الله فيهم {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء... إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون}!

وقد تجاوز الأمر بكثير من قيادات الثورة الركون للمنافقين إلى الركون للعدو الخارجي طمعا بالنصر والمدد، فكان الجزاء الحصار للثورة سنة ونصف، ليوجد خلالها العدو الخارجي البديل للنظام بعد سقوطه، وليصل الشعب السوري إلى حد طلب التدخل الخارجي، ليسقط النظام ويأتي الاحتلال باسم الأمم المتحدة!

ثالثا : تحديد الهدف والرؤية السياسية بعد إسقاط النظام:

أيها العلماء المصلحون والفقهاء المجاهدون ..

إن الثورة هي أول خطوة على طريق الإصلاح والتغيير، وما بعد الثورة أبعد شقة، وأشد مشقة، وهو ما يحتاج منكم وأنتم لذلك أهل إلى رؤية علمية، وروية عملية، يكون فيها فقه المقاربات وفقه النوازل هو قطب الرحى في تحقيق الإصلاح على هدى الكتاب والسنة!

وإن الأمة كلها تتطلع اليوم فيما تتطلع إليه، بعد عقود من الفوضى والتيه، إلى بعث الإسلام واستئناف الحياة به من جديد، وهي في شوق لنور هداياته، كما قال تعالى {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}، وإلى عدله وقسطه {قل أمر ربي بالقسط}، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، وقال (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي)، وقال (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور)..الخ

وربما حال دون مشاركة كثير من أهل العلم والصلاح في الثورة كونها لم ترفع شعار الإسلام، مع أنها لا تحتاج لذلك ما دامت الثورة مشروعة، وهي جهاد، وقتيلها شهيد، فالواجب على أهل العلم والفضل المشاركة فيها، والدعوة إلى ما يرونه من الحق والعدل الذي يؤمنون به، لا اعتزالها واعتزال الأمة في جهادها، ثم تمني قيادتها والاشتراط عليها، فإن لله سننا لا تتخلف، فالغنم بالغرم، ومن زرع حصد، ومن اعتزل قعد، وستمضي الأمة في طريقها، وستسلم أمرها لمن قادها نحو الخلاص ونحو الحرية، وقاتل معها وقاتل دونها..

فالواجب على علماء الشام ودعاته وأهل الصلاح والفضل القيام بالواجب الشرعي والجمع بين الجهاد وقيادة الأمة في مواجهة الطاغوت، والعلم بهدايات الكتاب والسنة في باب سياسة الأمة بالعدل والقسط، فإنه ما لم يكن هناك معرفة علمية عميقة بأصول الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي، فلا يمكن قيادة الأمة بهداية الكتاب ونور السنة، ولا يمكن تحقيق المقاربة بين الخطاب الإسلامي والواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحالي، الذي أفسده النظام فسادا ليس من السهل إصلاحه، إلا لمن أوتي فهما في أصول الخطاب السياسي الراشدي وكلياته ومقاصده، وفهما في الواقع السياسي ومشكلاته وتعقيداته، فمن أخذ الكتاب بقوة العلم، وتصدى للواقع بقوة الإرادة والحزم، كان أحرى بالتوفيق والسداد..

أيها العلماء الأخيار..

إن أسعد علماء هذا العصر حظا من أحيا سنن النبوة في الحكم وسياسة الأمة، وهو من التجديد في الدين، كما في الحديث (من أحيا سنة فله أجرها وأجر من عمل بها)، والمقصود أصلا بالسنة هنا سننه في الإمامة، وهي التي عطف عليها سنن الخلفاء الراشدين (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، وإياكم ومحدثات الأمور)، وهي المقصودة بحديث (يكون أمراء لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي) أي سننه في باب الحكم والإمامة، وهي تلك المحدثات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التحذير منها، كما في حديث (ثم يكون ملكا عضوضا ثم ملكا جبريا) (ثم يكون الطواغيت)، ثم بشر بعدها بعودتها خلافة على نهج النبوة!

أيها العلماء المصلحون..

إن الواجب على أهل العلم في هذه النوازل الدعوة إلى بعث الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي، وما جاء به من العدل والشورى والحق، والقسط والرحمة بالخلق، كما قال تعالى {قل أمر ربي بالقسط}، وقال {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}..

فالواجب معرفة القسط وإحياء سنن النبوة والحكم الراشد حسب الإمكان بالعلم بها وتعليمها، والدعوة إليها بالحكمة والموعظة الحسنة، والتبشير بها وبعودتها من جديد، ثم عرضها على الأمة كمشروع سياسي للحكم الراشد، وقد اجتهدت في جمع تلك الأصول والسنن في كتاب (الحرية أو الطوفان)، وكتاب (تحرير الإنسان دراسة في أصول الخطاب القرآني والنبوي والراشدي)، وكتاب (الفرقان)، وكتاب (نحو وعي سياسي راشد)، ومقال (من الحكومة الراشدة إلى الخلافة الراشدة) وغيرها من الدراسات في هذا الباب..

ولا شك بأن العلم بسنن الرشد في باب الحكم وسياسة الأمة لن يكون كافيا وحده، ما لم يصبح ذلك مشروعا سياسيا يؤمن به ويحمله سياسيون محنكون، ومصلحون مخلصون، يعرفون الواقع والممكن لهم فيه، والسنن وأصولها وفروعها، والأحق منها بالتقديم، على نحو يجمع ولا يفرق، ويقيم ما أمكن من العدل، ويبطل ما أمكن من الجور، بحسب المقدور، فقد قطع الطاغوت شوطا في كل بلد في تغريب الأمة وتضليلها وإفساد واقعها، وقد قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لوالده الخليفة الراشد عمر – كما في رواية أحمد في الزهد بإسناد صحيح - (يا أبت ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك! قال يا بني إني إنما أروض الناس رياضة الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج منه طمعا من طمع الدنيا، فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه).

وفي رواية المروزي في كتاب السنة (يا أمير المؤمنين ألا تمضي كتاب الله وسنة نبيه؟ والله ما أبالي أن تغلي بي وبك القدور! فقال له يا بني إني أروض الناس رياضة الصعب أخرج الباب من السنة فأضع الباب من الطمع! فإن نفروا للسنة سكنوا للطمع! ولو عمرت خمسين سنة لظننت أني لا أبلغ فيهم كل الذي أريد، فإن أعش أبلغ حاجتي، وإن مت فالله أعلم بنيتي).

وعند أبي نعيم في الحلية (يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غدا إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة لم تحيها؟ فقال: له يا بني أشيء حملتكه الرعية إلى، أم رأي رأيته من قبل نفسك؟ قال: لا والله ولكن رأي رأيته من قبل نفسي، وعرفت أنك مسئول فما أنت قائل؟ فقال له أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيرا، فوالله إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير! يا بني إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة، ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقا تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون من أن يهراق في سبي محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيى فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين).

وفي رواية أخرى عند أبي نعيم في الحلية قال له (ما يمنعك أن تنفذ لرأيك في هذا الأمر؟ فوالله ما كنت أبالي أن تغلى بي وبك القدور في إنفاذ الأمر! فقال عمر إني أروض الناس رياضة الصعب، فان أبقاني الله مضيت لرأيي، وإن عجلت علي منيتي فقد علم الله نيتي، إني أخاف إن بادهت الناس بالتي تقول أن يلجئوني إلى السيف، ولا خير في خير لا يجيء إلا بالسيف).

فهذا ما قاله الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في القرن الثاني، في شأن إحياء سنن العدل والرشد في الحكم وسياسة الأمة، وإبطال البدعة والجور في هذا الباب، فكيف بأحوال الأمة اليوم!

ولهذا فالواجب الإصلاح السياسي بحسب الإمكان، كما في قول النبي شعيب {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}، قال الشيخ السعدي في تفسيره لها، والفوائد التي تستفاد منها (ومنها‏:‏ أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم، إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان، فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها، أو بتحصيل ما يقدر عليه منها، وبدفع المفاسد وتقليلها، ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة‏، وحقيقة المصلحة، هي التي تصلح بها أحوال العباد، وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية‏، ومنها‏:‏ أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح، لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه، فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه، وفي غيره، ما يقدر عليه) انتهى كلام السعدي.

ولهذا لم يتوقف النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم وهم في مكة عن الدعوة إلى كل عدل وخير وبر، ومن ذلك قصة الأراشي - كما في السيرة - وكان رجلا غريبا عن مكة، وكان له عند أبي جهل حق، وقد رفض أبو جهل أن يرد عليه حقه، فجاء يشتكي لقريش فأشاروا عليه أن يذهب للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاءه مشى معه صلى الله عليه وسلم حتى ضرب باب دار أبي جهل وهو (فرعون هذه الأمة) كما في الحديث، وقال له أعط الرجل حقه! فارتعد منه أبو جهل ودفع إليه حقه!

فلم يتوقف النبي صلى الله عليه وسلم عن الدفاع عن المظلوم وإقامة العدل، بدعوى أنه في مكة، ولا شوكة له فيها، أو أنه لا بد من حكومة إسلامية، أو أن الطاغية لا يؤمر بإصلاح، ولا ينهى عن فساد حتى يؤمن!

وكذا قال صلى الله عليه وسلم (شهدت في بيت عبد الله بن جدعان حلفا - وكان على نصرة المظلوم - لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت)!

وهذا يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم ظل على التزامه بهذا الحلف وهو في مكة قبل قيام الدولة الإسلامية، وكذا في المدينة بعد قيامها.

والمقصود أن الأمة لا تتعطل عن الإصلاح في كل مجال، وفي كل بلد، حسب استطاعتها، فتدعو إلى العدل، وتأخذ على يد الظالم، وتسعى لتحقيق المساواة، وإصلاح شئون حياتها..الخ.

فأعظم الإصلاح وأفضل المصلحين من عمل من أجل إقامة (الخلافة الراشدة) في الأمة كلها، ثم من عمل من أجل إقامة (الحكومة الراشدة) في أي بلد من بلدان المسلمين، ثم من تصدى لتحقيق أي إصلاح ولو جزئي، في أي بلد إسلامي بأي وسيلة مشروعة تحقق الإصلاح سلمية كانت أو ثورية، دستورية كانت أو جماهيرية، بحسب الظرف المحيط به.

ولا يقتصر ذلك الإصلاح على الأمة في دار الإسلام، بل وحتى في غير دار الإسلام، فللمسلمين في كل بلد، أن يدعوا إلى الإصلاح والعدل والخير والبر، والاستعانة بأقوامهم وعصائبهم وتجمعاتهم على تحقيق الإصلاح، كما قال العلامة عبد الرحمن السعدي في تفسير قوله {ولولا رهطك لرجمناك} وأنه يجوز للمسلمين في غير دار الإسلام أن يؤيدوا قومهم في إقامة أنظمة الحكم الجمهورية الديمقراطية، لما يتحقق لهم فيها من عدل وصلاح، بخلاف أنظمة الحكم المستبدة الدكتاتورية!

قال السعدي في تفسيره (ومنها‏:‏ أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة، قد يعلمون بعضها‏,‏ وقد لا يعلمون شيئا منها، وربما دفع عنهم، بسبب قبيلتهم، أو أهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين، لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك، لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان‏، فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية، لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية، وتحرص على إبادتها، وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم‏، نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين، وهم الحكام، فهو المتعين، ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة، فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة) انتهى كلام السعدي.

وهذا هو السبب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بالهجرة للحبشة - ولم تكن دار إسلام بل كانت دار سلم وأمن - لما فيها من عدل!

والمقصود أنه إن استطاع المسلمون في بلدانهم إقامة العدل والقسط الذي جاء به الإسلام في ظل خلافة راشدة وأمة واحدة، فهذا هو الأصل الذي يجب على الأمة السعي من أجل إقامته، وهو الذي بشر بعودته النبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم يستطيعوا في هذا العصر إلا إقامة حكومات راشدة في أقطارهم الوطنية، أو في بعض بلدانهم، فهذا هو الواجب على من استطاع ذلك منهم في تلك الأقطار، كما في الحديث الصحيح (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم).

فإن لم يقدروا لا على خلافة راشدة عامة، ولا على حكومة راشدة خاصة، بسبب ضعفهم وعجزهم، وقوة عدوهم، واستطاعوا مع غيرهم من أقوامهم إقامة ما يمكن من العدل والقسط في ظل حكومة عادلة، فهذا هو الواجب في حقهم، كما قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى 6/322 (فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى : الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة)!

وقال أيضا في 6/340 (وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم – أي المعاصي والفجور - أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة؛ ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة! ويقال : الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم) فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة).

ولهذا لم يشكل على علماء الأمة في أوائل القرن الماضي ضرورة الإصلاح بكل وسيلة مشروعة، حتى بعد سقوط الخلافة والحكم الإسلامي، وقيام الدول القطرية بدساتيرها الحديثة، وفرقوا بين الدساتير التي هي عقود تجري علها أحكام العقود بجوازها، وبطلان الشروط الفاسدة منها، والقوانين الوضعية التي تخالف أحكام الشريعة لكونها أحكاما يلتزم بها القضاة فيحرم العمل بها، وقد كان العلامة القاضي الشرعي والمحدث المجتهد الشيخ المصري أحمد شاكر السلفي من أوائل فقهاء الأمة الذين أدركوا الفرق بين الدستور والقانون، وأجاز العمل السياسي البرلماني لتحقيق الإصلاح، حيث يقول عن القوانين الوضعية التي تصادم أحكام الشريعة (القضاء في الأعراض والأموال والدماء بقانون يخالف شريعة الإسلام، وإلزام أهل الإسلام بالاحتكام إلى غير حكم الله، هذا كفر لا يشك فيه أحد من أهل القبلة)![1]

بينما يقول في رسالته (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر التشريع في مصر) - التي كانت في الأصل محاضرات ألقاها على رجال القانون في مصر في أربعينيات القرن الميلادي الماضي - (سيكون السبيل إلى ما نبغي من نصر الشريعة السبيل الدستوري السلمي، أن نبث في الأمة دعوتنا، ونجاهد فيها ونجاهر بها، ثم نصاولكم عليها في الانتخاب، ونحتكم فيها إلى الأمة، فإذا وثقت الأمة بنا، ورضيت عن دعوتنا، واختارت أن تحكم بشريعتها، طاعة لربها، وأرسلت منا نوابها للبرلمان، فسيكون سبيلنا وإياكم أن ترضوا بما يقضي به الدستور، فتلقوا إلينا مقاليد الحكم كما تفعل كل الأحزاب، ثم نفي لقومنا بما وعدناهم به من جعل القوانين كلها مستمدة من الكتاب والسنة..).[2]

فهنا يفرق الشيخ بين التحاكم إلى القوانين الوضعية التي هي كفر بواح وردة جامحة، وقد نص على ذلك في كثير من مؤلفاته، وفي المقابل يدعو إلى الالتزام بالدستور، والاحتكام إلى الشعب المصري، والإصلاح من خلال العمل السياسي السلمي الدستوري، ومن خلال الانتخابات، ودخول البرلمانات؟!

وما ذكره الشيخ أحمد هنا يكاد يوافقه عليه كافة علماء عصره ودعاتهم كالشيخ حسن البنا وقبلهما رشيد رضا وشيخ الإسلام مصطفى صبري وغيرهم من المصلحين!

والمقصود أن مثل هذه النوازل والمشكلات يجب على علماء الأمة التصدي لها، والاجتهاد فيها، ولا تمنع تعقيدات الواقع علماء الأمة من الخوض في غمارها على بصيرة وفقه، وإنما يعتزلها رجلان: رجل لم يؤت فهما في هذا الباب فهو يخشى على دينه، فيدع الدنيا يسوسها الطغاة وأهل الباطل بباطلهم، أو رجل آتاه الله فهما فيه ولم يؤت عزيمة وإرادة، كما قال عمر الفاروق (اللهم إني أشكي عجز التقي الثقة، وجلد الفاجر)!

فالله الله يا علماء الشام وأبراره لا تؤتى الثورة اليوم من قبلكم، ولا تتخلفوا عن المشاركة في قيادتها، فإن الله وعدكم بالنصر إن نصرتموه، وأنتم أحق من نصره..

فاللهم انصر المرابطين الصابرين بأرض الشام، وأنزل عليهم سكينة من عندك، وثبت أقدامهم، واربط على قلوبهم، واشرح صدورهم، ويسر أمورهم، وعجل لهم نصرهم، ولا تكلهم إلى أحد سواك..

اللهم واخذل عدوهم ومن خذلهم، واجعل كيدهم في نحورهم، وألق الرعب في قلوبهم..

اللهم واجمع كلمة أهل الشام، وارفع رايتهم، وحقق لهم غايتهم، واجعل مستقبل أيامهم خيرا لهم مما مضى، وارحم شهداءهم، وأغن فقراءهم، واجبر ضعفاءهم..

اللهم آمين آمين والحمد لله رب العالمين..

لم يتم اضافة تعليق لغاية الآن.
مختارات