"الأجواء المتوترة والمشحونة بين الأطراف المتناحرة لا تبعث على الارتياح مع استعداد كل طرف للانقضاض على مقرات الخصم، وهو ما خلف ركوداً اقتصادياً في مدينة أعزاز اضطرت معه عشرات العائلات للهرب من المدينة إلى كلس التركية، المقابلة لمدينة أعزاز، وجميع حالات النزوح تتم بشكل غير نظامي بسبب إغلاق الأتراك لمعبر باب السلامة القريب من أعزاز منذ بدء الأحداث الأخيرة".

حال أبو فؤاد كحال عشرات العائلات السورية التي نزحت من مدينة أعزاز إلى مدينة كلس جنوب تركيا، بسبب الاشتباكات التي دارت مؤخراً بين بعض كتائب الجيش الحر وتنظيم دولة الإسلام في العراق والشام (داعش)، وحالة التوتر والاحتقان التي ما زالت المدينة تعيشها حتى هذه اللحظة، إثر فشل تطبيق اتفاق بين الطرفين كان من المفترض أن ينهي اشتباكات بينهما على خلفية محاولة عناصر (داعش) اختطاف طبيب ألماني الجنسية يعمل في أحد مشافي أعزاز وقيام عناصر لواء عاصفة الشمال بالتصدي لتلك المحاولة.

وضع اقتصادي متدهور

ومع استمرار التوتر في مدينة أعزاز تتجه الأوضاع الاقتصادية نحو الأسوأ بعد إغلاق السلطات التركية معبر باب السلامة الحدودي، والذي يعد مصدر دخل كثير من أهالي المدينة، وهو ما أدى إلى نقص المواد الأساسية من الأسواق والمحال التجارية التي كانت تعتمد بشكل مباشر على البضائع التركية القادمة عبر معبر باب السلامة.

وقال بعض أهالي أعزاز لـ"العربية.نت" خلال اتصالات هاتفية مع بعضهم "إن المواد الأساسية من طعام وأدوية بدأت تنفد من المحال التجارية، لاسيما حليب الأطفال، وقد بدأ بعض النازحين الذين كانوا يقطنون المدينة لشهور خلت بمغادرتها إلى قرى ومدن قريبة".

ووجه أهالي أعزاز قبل أيام مناشدات لعلماء الدين وقيادات الجيش الحر للتدخل لفضّ النزاع بين لواء "عاصفة الشمال" و"داعش"، وقال الأهالي إن "الوضع أصبح لا يطاق بعد توقف نشاطات جميع الفرق الإغاثية في المدينة، فلم تعد تصل المعونات التي توزّع على النازحين، إضافةً لتوقف المشافي والفرق الطبية عن العمل، في حين يستغل اللصوص حالة الفوضى مع غياب جهة تحفظ الأمن في المدينة".

وأغلقت الحكومة التركية معبر أونكوبينار الحدودي مع سوريا "لأسباب أمنية، واستمرار الغموض بشأن ما يحدث على الجانب السوري"، حسبما ذكرت وكالة رويترز نقلاً عن مسؤول تركي.

ويقابل معبر أنكوبينار التركي معبر باب السلامة في الجانب السوري، حيث كان لواء عاصفة الشمال يدير المعبر بالاتفاق مع الجانب التركي لكن اشتباكات أعزاز القريبة من الحدود التركية عززت مخاوف أنقرة حيال سيطرة مقاتلين متشددين على المعبر رغم تطمينات لواء التوحيد (الذي أرسل قواته إلى الحدود التركية لحماية معبر باب السلامة بعد الاشتباكات) بعدم وصول مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية إلى المعبر.

ودعت مجموعات مقاتلة أساسية في سوريا، داعش إلى الانسحاب من مدينة أعزاز، وجاء في البيان الذي وقعت عليه "حركة أحرار الشام" و"جيش الإسلام" و"لواء التوحيد"، "ندعو الإخوة في فصيل الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى سحب قواتهم وآلياتهم إلى مقارهم الأساسية مباشرة".
والفصائل الأخرى الموقعة على البيان هي "لواء الحق" و"ألوية صقور الشام"، و"ألوية الفرقان".

ومع تطور الاشتباكات بين الطرفين قالت مصادر في لواء التوحيد لـ"العربية.نت: "إن مقاتلي اللواء لن يشاركوا في أي معارك قد تنشب بين الجانبين مستقبلاً إلا إذا قررت الهيئة الشرعية معاقبة أحد الطرفين، فنحن سنكون مع قرار الهيئة الشرعية".

وأضافت المصادر "أن هذا الاقتتال لا يخدم إلا النظام وأتباعه، لقد كان موقفنا واضحاً وهو السعي لاتفاق بين الفصيلين، وكنا نبذل جهودنا أن تحل الأمور باتفاق يجنب الطرفين الاقتتال فيما بينهم، لسنا مع أي طرف ولكننا طرف ثالث يسعى لحل الأمر بدون اشتباكات لا يعلم أحد قدر الدم الذي سيسفك بها".

وكان لواء التوحيد أحد أكبر التنظيمات العسكرية في الشمال السوري قد رعى اتفاقاً لوقف إطلاق النار في أعزاز بين لواء "عاصفة الشمال" المنضوي تحت راية الجيش الحر وتنظيم "دولة الإسلام في العراق والشام" الذي يقوده أبو بكر البغدادي ويتبع تنظيم القاعدة بعد سيطرة التنظيم على المدينة القريبة من الحدود التركية إثر معركة خاطفة مع لواء "عاصفة الشمال".

ونص الاتفاق على سحب عناصر "داعش" حواجزهم من مدينة أعزاز ليحل مكانها حواجز تتبع لواء التوحيد لحين انتهاء المشكلة، وأن يكون المرجع في أي خلاف هيئة شرعية معتبرة من الطرفين، والإفراج كذلك عن40 محتجزاً اعتقلهم عناصر التنظيم الإسلامي المتشدد، لكن تنظيم الدولة الإسلامية لم يفرج سوى عن 9 رهائن واحتفظ بالبقية مما ساهم في توتير الأجواء مجدداً بين الجانبين.

ووقع الملقب "أبوعبد الرحمن الكويتي" ممثلا عن داعش اتفاقية الهدنة مع ممثل الجيش الحر النقيب المنشق أحمد غزالة أبو راشد، فيما وقع أيضاً بصفة شاهد، كل من أبو توفيق عن لواء التوحيد، وأبو إبراهيم الشيشاني قائد ما يعرف بـ"جيش المهاجرين والأنصار".

قيادة أركان الجيش الحر أكدت بدورها أنها لن تقف مكتوفة الأيدي حيال ما يجري في أعزاز. وقال مدير المكتب الإعلامي لهيئة الأركان العامة حامد إبراهيم لـ(العربية.نت) إن "الجيش الحر يدين أي اعتداء على المواطنين وعلى تشكيلاتنا وعناصرنا من أي طرف كان، وسنتعامل مع أي مجموعة غير منضبطة وتابعة لأي أجندة تتعارض مع تطلعات الشعب السوري في هدفه الذي خرج من أجله وهو نيل الحرية على أنها عدو لهذا الشعب، وعندما يوجه أي سلاح في وجه الشعب السوري أو الجيش الحر بغض النظر عن تبعية هذه الجماعة التي توجه سلاحها ضد الشعب فمن واجب الجيش الحر الدفاع عن نفسه وعن الشعب".

وتساءل إبراهيم: "هل هذه الجماعات أتت لتحارب الجيش الحر أم لمحاربة النظام كما كانت تدعي؟ وهل تحارب النظام في مناطق تم تحريرها مسبقاً من قبل الجيش الحر؟".

"إيران تخترق داعش"

ومن جانبه، قال عضو اللجنة الإعلامية في الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السوريا محمد سرميني لـ(العربية.نت) إن "لديهم معلومات أكيدة عن اختراق النظام والاستخبارات الإيرانية لـ (داعش)، وهذا لا يعني أنه لا يوجد فيها مجاهدون مخلصون مغرر بهم، وعندما عجز النظام عن التقدم في المناطق المحررة عمد إلى استخدام بعض الكتائب للدخول إلى المناطق المحررة".

ورأى سرميني أن الحل في أعزاز "يجب أن يكون من خلال توحد العمل المسلح ليكون صخرة صلبة تتحطم عليها كل الاعتداءات على المدنيين، لأن بنادقنا لا شك أنها يجب أن تواجه النظام، وخصوصاً أنه ما زال مستمراً في جرائمه حتى اللحظة".

وكان الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السوريا ندد في هذا الإطار بعدوان (داعش) على قوى الثورة السورية والاستهتار المتكرر بأرواح السوريين، معتبراً أن ممارساتها "خروج عن إطار الثورة".

ويأتي ذلك بعد تكرر الحوادث والمواجهات المسلحة خلال الأشهر الأخيرة بين مجموعات بين كتائب تابعة للجيش الحر، وأخرى تتبع لتنظيم القاعدة وتضم في صفوفها العديد من المقاتلين غير السوريين، وهو ما طرح تساؤلات عدة عن مستقبل العلاقة بين كتائب الجيش الحر والتنظيمات الإسلامية المتشددة مع اختلاف الرؤى والعقائد بين الجانبين.

وهاجم مقاتلو (داعش) خلال الأيام الماضية قرى حزانو وباتبو بريف إدلب، واشتبكوا مع كتائب من الجيش الحر في دير الزور، واستولوا على مقرات ومخازن ذخيرة لجبهة النصرة التي تتبع بدورها تنظيم القاعدة في منطقة الشدادي بالحسكة، كذلك حولوا إحدى كنائس الرقة إلى مقر عسكري، وهو ما أثار استياء واسعاً.

وأصدر الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السوريا بياناً أدان فيه اعتداء "دولة الإسلام في العراق والشام على كنيسة سيدة البشارة في الرقة، بشكل يتعارض مع تعاليم الإسلام، وينافي قواعد الأخلاق وحقوق المواطنة الأصيلة، وينتهك حقاً أساسياً للإنسان في ممارسة شعائره الدينية، في شكل من أشكال اللامبالاة بمقدسات الشعوب وإرثها الديني والحضاري".

ووصف بيان الائتلاف (داعش) بالتنظيم "الخارج عن الثورة السورية، وبأنه لا يمثل بأي شكل من الأشكال تطلعات الشعب السوري ولا يحترم مبادئ ثورته السامية، فكما عمد النظام بالأمس القريب ولا يزال إلى استهداف المساجد والكنائس، بالإضافة لتدمير جزء كبير من الإرث الحضاري والديني للشعب السوري، يقوم تنظيم ما يسمى دولة الإسلام في العراق والشام بارتكاب ذات الفعل اليوم، باستيلائه على الكنائس وتحويلها إلى مقار عسكرية".