أحدث الأخبار
لعبة الأقليات و “التشبيح” و تضييع الوقت
23 October 2012 Tuesday

لعبة الأقليات و “التشبيح” و تضييع الوقت

مستقبل العلويين في سوريا

 

في أحد أيام الربيع من العام 1989، وقف ياسر العريف في الكتيبة 29 من "الجيش العربي السوري"، المتمركزة حينذاك في مدينة بعلبك شرق لبنان، على نقطة الحاجز المكلف حراستها. صاح له الملازم الاول عمران آمر النقطة وطلب منه "تشبيح" عشرة احجار من الطوب من كل شاحنة تمر على الحاجز. كان الجنود بحاجة لبناء غرفة خفر.

بشار الأسد أدخل العلويين في نفق مظلم

بشار الأسد أدخل العلويين في نفق مظلم

 

لم يكن بدا عن “التشبيح”، فالمجند في الجيش السوري كان يتقاضى 125 ليرة سورية شهريا، او ما كان يعادل ثلاثة دولارات، وصف الضابط من رتبة عريف او رقيب ضعف المبلغ. التموين اليومي كان عبارة عن صحن “برغل”، من مشتقات القمح، مطبوخ بصلصة الطماطم مع “ربطة” خبز لجنود الحاجز الخمسة. البرغل غالبا ما كان يخالطه الحصو، اما الخبز، ففي الغالب مر عليه وقت طويل وحوله الى صلب يصعب أكله.
كيف كان هؤلاء الجنود السوريون يتدبرون امر اكلهم طوال فترة مخدوميتهم الالزامية التي كانت تمتد الى ثلاث سنوات، منها ستة اشهر في معسكرات التدريب؟ الاجابة تكمن في “التشبيح”.

 

كانت حواجزهم تجبر كل سيارة او شاحنة مارة على التوقف. سائقو الشاحنات التي كانت تنقل المنتوجات الغذائية، كانوا يضعون على المقعد المجاور لهم صندوقا مما كانوا يحملونه، فترى السائقين يناولون الحواجز السورية المتتالية موز وبطيخ وبرتقال وبيض وخبز وما شابه.
على ان “تشبيح” الجنود السوريين لم يقتصر على الغذاء او ما هو ضروري. في اغلب الاحيان، كان الجنود يطلبون من سائقي السيارات مالا، وان لم يتوفر، يأخذون شريط كاسيت موسيقى او اي شيء تقع اعينهم عليه داخل السيارة. اما الطلب الاكثر الحاحا فكان النقل. يقف الجندي الذاهب في اجازة لزيارة ديرته على الحاجز بلباسه المدني الى جانب زميله العسكري. يسأل العسكري صاحب السيارة عن وجهته، “وين واصل الاخ”، ثم يطلب منه ان يقل الجندي المدني معه. من حاجز الى حاجز، ومن سيارة الى سيارة، يصل الجندي الى وجهته النهائية مجانا.

 

اما سائق الشاحنة او السيارة ممن تخوله نفسه ان يرفض اعطاء غذاء او مال او تأمين المواصلات لجنود الحاجز، فيتم ايقافه الى جانب الطريق، “على اليمين”، لساعات، وفي اوقات، يتم تعريضه للذل عن طريق فتح التحقيق معه وطلب اوراقه الثبوتية او حتى امره بنزع حذائه و”وضعه في الدولاب” حيث يتعرض للضرب بالسوط على اسفل قدميه جزاء لمحاولته رفض “التشبيح”.
“الشبيحة” السوريون دخلوا لبنان في العام 1976 وحملوا اسم “قوات الردع العربية”، وكانت مهمتهم الفصل بين المتقاتلين من الفصائل اللبنانية والفلسطينية المسلحة. الا ان الشبيحة هزموا كل الفصائل، وحكموا لبنان كليا ابتداء من العام 1991، وامتدت عملية “التشبيح” التي كانوا يمارسونها من الجندي صاحب ادنى مرتبة في اي نقطة عسكرية على امتداد لبنان، الى اعلى مراتب وصلت الى الرئيس السوري حافظ الاسد، ثم ابنه بشار من بعده، ومساعديهم.
الطائفة الإسماعليّة – خامس طائفة دينية في سوريا (0.5 في المائة – 1 في المائة) من إجمالي تعداد السكان ويتركز وجود الطائفة أساسا في محافظتي حماة وطرطوس.

 

وكان آل الاسد وكبار مساعديهم وجيشهم في لبنان يقومون بالتشبيح، او الابتزاز، الذي غالبا ما كان يتركز على اغنياء اللبنانيين، وكان في طليعتهم رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري، الذي تواترت الروايات عن اجبار الضباط والسياسيين السوريين له باعطائهم أموالا فاقت عشرات ملايين الدولارات.
وعندما انتفض الحريري ضد تشبيح نظام الاسد في لبنان، واجه حتفه قتلا في العام 2005، فانتفض اللبنانيون عن بكرة ابيهم ضد التشبيح نفسه، واجبروا الاسد على سحب جنوده من لبنان في ذلك العام، لكن الاخير غادر على مضض، وظل متربصا العودة، فيما كان تابعوه من اللبنانيين يقومون بنشر الرعب في لبنان في غيابه.
 
“التشبيح” اذن هو في صلب ممارسة آل الاسد للسلطة. يأخذون واتباعهم ما يريدونه عنوة، وان حاول ضحاياهم الاعتراض، يلقون مصيرا قاتما في الغالب.
 

“التشبيح” لم يطل اللبنانيين وحدهم، بل كان للسوريين نصيبهم كذلك. آل سنقر، وهم كرد من دمشق اصابوا الكثير من الغنى بعدما اداروا وكالة سيارات مرسيدس في سوريا، اطل عليهم رامي مخلوف، ابن خال بشار الاسد وامين صندوقه، وطالب بالاستيلاء على الوكالة. رفض آل سنقر، فاجبروا على الفرار من سوريا، وبعد ذلك، رفضت شركة السيارات الالمانية نقل الوكالة منهم الى مخلوف، فاصبحت سوريا من دون وكالة.

 

الابتزاز نفسه طال غسان عبود، مؤسس ومالك تلفزيون “اورينت”، وهو من بلدة بنش في محافظة ادلب الشمالية، والذي اضطر الى الهجرة وتلفزيونه الى خارج سوريا بسبب محاولات “تشبيح” مخلوف نفسه واستيلائه على المحطة، حسبما يروي عبود في مقابلاته العديدة.
بيد ان “شبيحة” آل الاسد ليسوا امرا مستجدا، على الرغم من ان العبارة ذاع صيتها فقط مع اندلاع الثورة السورية في منتصف آذار (مارس) من العام الماضي.
الطائفة الدرزيّة – الطائفة الدينيّة الرابعة في سوريا من حيث العدد (2 في المائة – 4 في المائة) من تعداد السكّان ويتواجد أتباعها بشكل رئيس في أربع محافظات هي السويداء والقنيطرة وريف دمشق وإدلب.

 

قبل 200 عام، اي سنة 1812، استقر الرحالة السويسري جون لويس بيركهاردت في سوريا لفترة، ودوّن ملاحظاته في وثائق غنية مازالت موجودة في ارشيفات لندن. يقول بيركهاردت ان السوريين من السنة كانوا ينظرون “الى النصيريين باحتقار لدينهم، ويهابونهم في الوقت نفسه، اذ غالبا ما ينزل (النصيريون) من الجبال في الليل، ويعبرون (نهر) العاصي، ويسرقون، او يأخذون عنوة ماشية الوادي”.
اليوم بعد قرنين، مازال المشهد مشابها، وان اختلفت الازمان. اكثرية السوريين، وهم من السنة، مازالوا ينظرون الى الاقلية من النصيريين، ممن صاروا يعرفون بالعلويين مع مطلع القرن الماضي، باحتقار وخوف في الوقت نفسه، وهذه نظرة الضحية عموما الى الجلاد، وخصوصا ان كان الجلاد لصا في الوقت نفسه.

 

بدورهم، يبادل العلويون السنة الكراهية، ويخشون من العودة الى ذلك الزمن الذي اضطرهم للانكفاء في جبالهم العالية معزولين عن العالم، وعن التاريخ، حتى وصفهم المستشرق الفرنسي جاك ويليرز في مطلع القرن الماضي بالـ”متحجرين”، معتبرا ان جبالهم شمال غربي سوريا لا تساهم في “انسنتهم بل في جعلهم متوحشين”. وكتب ويليرز ان “ملاذهم تحول سجنا”، وانه على الرغم من كونهم اسياد هذه الجبال، لم يمكنهم تركها”.
بقي العلويون خارج المدن، حتى ان احدى الاحصائيات في العام 1945 اظهرت وجود 56 علويا فقط مسجلين في مدينة دمشق، والارجح ان سبب ذلك هو انعزال العلويين، الذين يشكلون قرابة 10 في المائة من اجمالي السوريين، في جبالهم، وعدم افصاح من هم من ساكني المدن عن هويتهم المذهبية عملا بمذهب التقية وخوفا من الاضطهاد الاجتماعي او السياسي او الاقتصادي.

العلويون في التاريخ

تعددت الكتابات حول العلويين وعقيدتهم. ويسود الاعتقاد انهم انشقاق عن المذهب الشيعي بعدما ارسل، في القرن التاسع الميلادي، الامام الحادي عشر الحسن العسكري وكيله محمد ابن نصير ليقوم في مقام ممثله في جبل البهراء، الذي يعرف اليوم بجبل العلويين، وهو يقع في الشمال الغربي لسوريا. ويبدو ان ابن نصير اما اعلن نفسه بابا، او تجسيدا للخالق على الارض، وانشأ لنفسه مذهبا حمل اسمه، اي النصيرية، او ان دعوته دخلها في ما بعد العقائد والتقاليد السائدة في تلك المنطقة.

الطوائف المسيحيّة – الأقلية الدينيّة الأكبر والثالثة من حيث العدد الإجمالي السكان (7 في المائة – 13 في المائة). غالب مسيحيّي سوريا أرثوذكس مع أقليّات كاثوليكيّة ومارونيّة وبروستانتيّة ومنتشرون على كامل التراب السوري.

قصة النصيرية تشبه الى حد كبير قصة اقلية مشابهة تتمركز في مناطق جبلية اخرى في المشرق العربي، مثل الموحدين الذين يعرفون اليوم بالدروز، وهم يسكنون الجزء الجنوبي لجبل لبنان، وفي جبل الدروز جنوب سوريا المجاورة لمنطقة الجولان. كما النصيرية، يعتقد ان الدروز هم انشقاق عن الاسماعليين بعدما ارسل الحاكم بامر الله الفاطمي، في القرن التاسع، مبشرين باسمه الى مناطق فلسطين ولبنان وسوريا، فانقلبت الدعوة الى عقيدة مختلفة وربما خالطتها المعتقدات السائدة.

المذهبان، الموحدون الدروز والنصيريون العلويون، يمنحان اهمية تاريخية لسلمان الفارسي، والاثنان يؤمنان بمدأ التقمص مع بعض الاختلاف في التفاصيل، والاثنان يحجبان تعاليمهما عن العامة، وكذلك عن الدروز والعلويين ممن لم يبلغوا سنا معينة، فيما يسمح الدروز “الدخول في الدين” للرجال كما النساء، ويمنع العلويون النساء من لعب اي دور ديني. كما يمنع المذهبان التزاوج خارج المذهب، ويمنعان دخول احد في المذهب. والمذهبان يبادلان مذهب الشيعة العداء، على الرغم من ان العلويين يرفعون من شأن علي بن ابي طالب الى حد الالوهية، ما دفع الشيعة الى اطلاق تسمية “غلاة” عليهم.

في مذهب النصيرية، كما في الدروز، استناد الى الحكمة الاغريقية القديمة، القائلة بتسع حدود للعقل، والدروز يؤمنون بخمسة منها، فيما يبدو ان العلويين يؤمنون بثلاثة، كما المسيحية، مما دفع بعض المؤرخين الى الاعتقاد بأنهم من المسيحيين، وهو ما حاول النصيريون في سوريا تسويقه لدى الفرنسيين ابان انهيار الامبراطورية العثمانية، في العام 1918، وبدء فترة الانتداب التي منح بموجبها الفرنسيون الاقليات دولا، مثل لبنان للمسيحيين، ودولة للعلويين شمال سوريا، واخرى للدروز جنوبها.

والظروف التاريخية للمذهبين تتشابه في احيان وتختلف في احيان اخرى. مناطق النصيريين اكثر عزلة، واقل خصوبة للزراعة من مناطق حوران والبقاع اللبناني الجنوبي، حيث الدروز. كذلك، يحيط العلويون السوريون الاكثرية السنية، فيما تحيط مناطق الدروز في لبنان وسوريا اقليات اخرى مثل المسيحيين في جبل لبنان، والشيعة في جنوبه، وهو ما سمح للدروز بالتفوق ماليا وعدديا، وتشكيل قوة سياسية في القرن السادس عشر عقدت تحالفات مع امارات اوروبية واجبرت السلطنة العثمانية على منح جبل لبنان عموما، حكما ذاتيا استمر باشكال مختلفة حتى انهيار السلطنة ووصول الانتداب الفرنسي، وكان وقتذاك الدروز قد تراجعت اعدادهم خلف المسيحيين وتحولوا الى اقلية في بلاد سبق ان تسيدوها وحكموها.

الطائفة العلويّة – ثاني أكبر طائفة دينيّة من حيث العدد (7 في المائة – 15 في المائة) من تعداد السكّان سورية ويتركز وجودهم في جبل العلويين أو جبال اللاذقيّة ولهم وجود عددي كبير أيضا في طرطوس وغربي محافظتي حمص وحماة.

اما النصيريون في سوريا، فلم تسنح لهم فرصة لممارسة نفوذ سياسي خارج جبلهم المعزول، وحاولت السلطنة تحويلهم الى المذهب السني من دون ان تنجح في ذلك. وبقي النصيريون على هامش التاريخ حتى وصول الفرنسيين. ولأن السياسة الفرنسية كانت تقضي بدعم الاقليات في وجه الاكثرية السنية، المدعومة من بريطانيا غريمة فرنسا، وجد النصيريون في الفرنسيين ضالتهم، فدخلوا باعداد كبيرة في “جيش المشرق” السوري الذي انشأه الفرنسيون وتحول فيما بعد الى نواة جيش الدولة السورية. كذلك منحت فرنسا العلويين دولة اسمتها باسمهم في العام 1920، وهو تاريخ قيام “دولة لبنان الكبير”.

استمرت الاقليات العربية المشرقية، من المسيحيين والعلويين ودروز لبنان، في الاستقواء بفرنسا على الاكثرية السنية على الاقل حتى لاحت الحرب العالمية الثانية في الافق مع اواخر الثلاثينات وما رافقها من وهن للقوى الاوروبية وخصوصا فرنسا وبريطانيا. هنا افترقت الاقليات في كيفية تصرفها: العلويون ومسيحيو لبنان راهنوا على الفرنسيين وطالبوا بالابقاء على دولتيهم اللتين تمتعوا فيهما باكثرية عددية، وان ضئيلة، فيما قرر الدروز ومسيحيو سوريا التماهي مع الاكثرية السنية. وتشير الكتابات التاريخية الى ان العلويين السوريين ارسلوا عرائض متعددة تدعوا الفرنسيين الى الابقاء على الدولة العلوية، وتشير ايضا الى ان احد الموقعين على هذه العرائض كان سليمان، والد علي، والد حافظ الاسد.

لكن الدولة العلوية ماتت في العام 1936 واصبحت جزءا من سوريا التي حكمها عموما وجهاء مدن دمشق وحلب وحمص وحماة وادلب، ومعظمهم على مذهب السنة. ورافق السيطرة السنية على السياسة السورية ابقاء الاقليات خارج مفاصل الحكم، فالعلويين كانوا، على سبيل المثال، يشكلون اكثرية الجنود في الجيش السوري الموروث من “جيش المشرق” الفرنسي، الا ان الضباط لم يكن بينهم الا سنّة. وكذلك الامر بالنسبة للمناصب السياسية الرفيعة التي سيطرت عليها الاكثرية السنية. واستمرت السيطرة المدينية السنية داخل الجمهورية السورية، على حساب الريفيين كالعلويين والمسيحيين على الاقل حتى العام 1963، تاريخ انقلاب “حزب البعث” الذي جاء بالضابط العلوي صلاح جديد الى الحكم، وكان الرجل الثاني هو العلوي الآخر حافظ الاسد.

الأقلية والطائفة والمصالح السياسية

باستثناء المسيحيين في لبنان، تنبهت الاقليات كعلويي سوريا والدروز اللبنانيين الى ان لا جدوى من المطالبة بقيام او الابقاء على دول الاقليات، فحاولت الاندماج في المحيط الاكثري حولها. هكذا أنشأ زعيم دروز لبنان كمال جنبلاط “الحزب التقدمي الاشتراكي”، الذي شدد في وثيقته التأسيسية على ضرورة إلغاء التوزيع الطائفي في السلطة في لبنان. ولأن جنبلاط لم يكن عسكريا، ولم يكن جيش في لبنان يقوى على تغيير نظام الحكم، استعان بفصائل الثورة الفلسطينية لتنفيذ ما اطلق عليه اسم “الحسم العسكري” بحق “الانعزاليين” برأيه عن محيطهم العربي، اي المسيحيين اللبنانيين، لقلب النظام بالقوة واستبداله بآخر عربي وعلماني في الوقت نفسه، يخرج الدروز من سجنهم كأقلية ويعطيهم حقوقا مساوية لتلك التي تمتعت بها الاكثرية المسيحية في حينه.

 
السُنَّة – هم غالبية الشعب السوري (حوالي 65 في المائة – 85 في المائة) ومنتشرون بكامل سوريا ويشكلون غالبيّة بـ11 محافظة من أصل 14 محافظة سوريّة وأهم تجمّعاتهم دمشق وحلب وحمص وحماة.

 

في سوريا، الاقلية العلوية، كما نظيرتها الدرزية اللبنانية، تصرفت بطريقة مشابهة. الاسد كان امضى اكثر من عقدين في “حزب البعث”، العلماني العربي، واستخدمه كوسيلة للتخلص من مشكلة انحداره من اقلية مذهبية لم تتمتع عبر التاريخ بأي حقوق مساوية للاكثرية المدينية السنية. لكن الاسد، العسكري الطيار ووزير الدفاع، لم يحتج الى فصائل مسلحة، بل سيطر على الجيش واستخدمه كوسيلة ثانية للوصول الى السلطة.
في الحالتين، الدرزية اللبنانية والعلوية السورية، لم يكن “التقدمي الاشتراكي” ولا “البعث العربي الاشتراكي” اكثر من عناوين، فجنبلاط، كما الاسد وعلوييه، استند الى اقليته من عشائر الدروز التي يأمن لها، للحفاظ على اندفاعته السياسية وعضوية حزبه. كذلك، لجأ الاسد الى العلويين لاقامة دعائم حكمه في الجيش السوري وحزب البعث والدولة.

 

 

لكن في حالتي جنبلاط والاسد، لم تكف الشعارات العلمانية ولا الاندفاعة السياسية المدعومة بقوة العشائر الجبلية القروية وبأسها في القتال، في منح اي من الرجلين الشرعية المستقاة عادة من دين الاكثرية.
هكذا، ذهب جنبلاط الى الازهر للاستحصال على فتوى نصت على ان الدروز هم احد المذاهب الاسلامية السنية، وترافق ذلك مع تحالفه مع الرئيس المصري جمال عبدالناصر ومع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، والاثنين من السنة.
اما الاسد، الذي كلل استيلاءه على السلطة عسكريا في العام 1970 بانتخابات صورية ليصبح اول رئيس غير سني لسوريا بعد ذلك بعام، فواجه ما يشبه الانتقاضة الشعبية مطلع العام 1973 بعدما شطب من الدستور فقرة كانت تنص على ان دين الدولة في سوريا هو الاسلام. ولامتصاص النقمة، وجد الاسد ضالته في حليفه، رجل الدين الايراني من اصل لبناني موسى الصدر، الذي منحه فتوى نصت على ان النصيرية هي جزء من المذهب الشيعي.

 

“حقيقة ان العلويين يقدسون علي، اول ائمة الشيعة الاثني عشر، بما يتجاوز تعاليم الاسلام، وضعها (الصدر) جانبا”، يقول الاكاديمي فؤاد عجمي في كتابه “الامام المختفي”. ويفسر عجمي سبب فتوى الصدر بالاقتباس عن المؤرخ مارتن كرايمر: “احتاج نظام حافظ الاسد الى شرعية اسلامية على وجه السرعة، واحتاج شيعة لبنان، حسبما قرر موسى الصدر، الى راعٍ قوي، وتلاقت مصالح الاثنين بسرعة من كل حدب وصوب”.
على ان اسلامية الاسد المستجدة لم تمنحه شرعية كافية داخل سوريا، وبقي حكمه مستندا الى قبضته الامنية الحديدية، حتى ان الرئيس السوري لم يسكن القصر الرئاسي، وبقي وعائلته في منازل الضباط لسنوات عديدة بعد انتخابه ملتصقا بالعسكر، مصدر شرعيته الوحيد.
في حزيران (يونيو) 1974، زار الكاتب الاميركي جوزف كرافت دمشق، وكتب مقالا تخلله وصف للاوضاع في سوريا، ومما جاء فيه ان “الاسد وعائلته مازالو يسكنون في سكن الضباط”، وانه يحكم البلاد عبر “رباعية من الرفاق العلويين الموثوقين ممن يسيطرون على الشرطة والجيش”. وكتب ان “حرس امبراطوري، اسمه سرايا الدفاع، هو بأمرة اخيه العقيد رفعت الاسد”.

 

وينقل كرافت عن معارض سوري جلس مرة مع الاسد، الذي كان يحاول استمالته سياسيا، قول الاسد: “اعلم انه كان هناك اختلافات سياسية فيما بيننا في الماضي، ولكن هناك حوالي مائة سوري فقط ممن يهتمون لمواضيع الاختلافات السياسية، وبامكاننا بسهولة ان نرميهم جميعهم في السجن”.

 
القوميّة الكردية – هي ثاني الأعراق في سوريا بعد العرب حيث يشكل الأكراد تقريبا (8 في المائة – 15 في المائة) من تعداد السكّان وينتشرون بشكل أساسي في محافظات الحسكة وحلب ودمشق وغالبيتهم الساحقة من السنّة.

هكذا، بعدما رمى الاسد خصومه جميعهم في السجن، من سنة وشيوعيين وحتى علويين وعلى رأسهم حليفه السابق ثم غريمه وسلفه صلاح جديد، تفرغ لبناء زعامته الاقليمية، ووجد في الصراع العربي -الاسرائيلي اسهل فرصة لذلك، فاشترك في حرب اوكتوبر 1973 التي شنتها مصر لتحرير سيناء من الاسرائيليين. حينذاك لم تفشل القوات العربية في استعادة اي من اراضيها المحتلة فحسب، بل وجدت نفسها تتراجع وتخسر المزيد من الاراضي، مما دفع بالرئيس المصري انور السادات الى طلب الوساطة من الولايات المتحدة، فبدأ وزير الخارجية هنري كيسينجر ما عرف بالـ”ديبلوماسية المكوكية” التي انتجت معاهدة سلام مصرية مع اسرائيل، واتفاقية فض اشتباك سورية – اسرائيلية في العام 1974، ومازالت الاتفاقيتان قائمتين حتى اليوم.

وحسب كرافت، فان نجاح الاسد في خوض حرب استنزاف مع الاسرائيليين استمرت 81 يوما حولته الى محط انظار زعماء المنطقة والعالم، وذلك لم يكن ممكنا لولا الدعم الروسي له، فالسادات الذي ارتمى في احضان واشنطن، انهى علاقة مصر بالاتحاد السوفياتي، الذي وجد في الاسد حليفه الشرق الاوسطي الوحيد، فهدد الاسرائيليين بالتدخل عسكريا في حال قرروا اسقاط نظام الاسد لانهاء حرب الاستنزاف تلك، مما اعطى الاسد حماية سمحت له بالتوصل الى هدنة مع الاسرائيليين.

العلويون في تحالف الاقليات وتخاصمها

 

“السياسة الاقليمية هي التي حاول من خلالها السيد الاسد ان يخلق اسطورة لنفسه بجعله من سوريا قوة بين العرب بدلا من ان تكون ساحة كرة قدم”، يكتب مراسل نيويورك تايمز نيل ماكفاركوهر في خبر وفاة الاسد في العام 2000.
هكذا، بعد اقفال جبهة الجولان الذي بقي تحت الاحتلال الاسرائيلي، تحولت انظار الاسد الى لبنان. هناك كان حلفاؤه من الاقليات، بعض الشيعة بزعامة موسى الصدر، واكثرية المسيحيين الذين طلبوا منه ارسال قواته لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، غريم الاسد. وجد الاسد مصلحة له في ذلك التحالف “الأقلّوي”، وحاول ضم الدروز، الا ان رفض جنبلاط وتمسكه بعرفات، اوديا بحياته اغتيالا في العام 1977.

 

في وقت لاحق، انفض تحالف الاسد مع الميليشيات المسيحية، فاستبدلها بالدروز بقيادة وليد جنبلاط، ابن المغدور كمال والذي حاول تفادي المواجهة مع العلويين التي انتهجها والده. وفي العام 1978، اختفى الصدر اثناء رحلة الى ليبيا، فحرص الاسد على وصول حليفه نبيه بري الى الزعامة الشيعية. ومنذ ذلك الحين، خاض الثنائي بري – جنبلاط، برعاية سورية، جولات دموية من المواجهات مع المسيحيين، برعاية دولية وغربية، رسمت معالم الحرب الاهلية في لبنان حتى انتهائها في العام 1991 بعدما منحت واشنطن الاسد تفويضا للسيطرة على لبنان بالكامل مكافأة له لاشتراكه في حرب تحرير الكويت من اجتياح صدام لها قبل ذلك بعام.

وتشير التقارير الى ان ابرز مؤيدي تحالف الاقليات كان رفعت الاسد، الذي كان يعتقد ان تحالفا يشمل علويي سوريا وشيعة لبنان، والدروز والمسيحيين في في سوريا ولبنان واسرائيل، فضلا عن اليهود الاسرائيليين، من شأنه ان يعطي تفوقا للاقليات في مواجهة السنة في المنطقة عموما. ومما ساهم في تكريس فكرة “تحالف اقلوّي” يضم الاسرائيليين هو اتفاق الخطوط الحمر الذي رعاه كيسينجر لتقاسم النفوذ بين سوريا واسرائيل داخل لبنان، فضلا عن انفتاح بعض مسيحيي لبنان على تل ابيب واقامة تحالفات معها.

مؤيدو نظرية ان التعاون الضمني للأقليات حصل فعلا مطلع الثمانينات يستندون الى خروج عرفات من لبنان كدليل، فاسرائيل اجبرت الزعيم الفلسطيني على الخروج من بيروت ابان اجتياحها في العام 1982. بعد ذلك بعام، عاد عرفات من تونس الى لبنان ودخل طرابلس في الشمال، ليلقى المصير نفسه، ولكن هذه المرة على يد جيش الاسد وحلفائه من الفلسطينيين واللبنانيين الذين اخرجوه مرة ثانية من لبنان على غرار ما فعلت اسرائيل قبل عام، ما يعني انه فيما كانت الاقليات، العلوية والشيعية والمسيحية واليهودية تتقاسم مناطق النفوذ في لبنان، كان الخاسر الاكبر هو عرفات والفلسطينيين والسنة عموما.

 

أقليات و أعراق

 

 

علم الآشوريين

علم الآشوريين

 
الآراميّون: السريان/ الكلدان/ الآشوريّون وهم رابع قومية في سوريا من حيث العدد ومن أقدم القوميّات التي سكنت البلاد، ويمثلون (2 في المائة – 5 في المائة) من تعداد السكّان ويتركّزون اساسا في محافظة الحسكة ولا يزالون رغم التعريب يحافظون على لغتهم الأم.
 

 

الشركس: خامس الأعراق في سوريا من حيث العدد (0.5 في المائة – 2 في المائة) من تعداد السكّان وينتشرون بشكل أساسي في حمص وحماة والقنيطرة كما توجد لهم تجمعّات صغيرة بالحسكة ودمشق ودرعا وحلب والرقة وريف دمشق.

الغجر: يعرفون أيضا بالدُميّين أو القُرْباط أو النَّوَر وهم سادس الأعراق في سوريا ونسبتهم ما بين (0.5 في المائة – 1 في المائة) من تعداد السكّان وهم منتشرون على كامل الأراضي السوريّة وبشكل خاص البوادي وأطراف المدن

الأرمن: سابع القوميات السوريّة وتبلغ نسبتهم ما بين (0.5 في المائة – 1 في المائة) من تعداد السكّان وتعتبر مدينة حلب هي أكبر تجمع للأرمن في سوريا ومركز ثقلهم، كما توجد لهم تجمّعات بالحسكة ودمشق ودير الزور وحمص واللاذقيّة.

 

علم التركمان

علم التركمان

 
التركمان: يعتبر الأتراك المجموعة العرقية الثالثة في سوريا بعد الكرد والعرب ونسبتهم ما بين (3 في المائة – 7 في المائة) من تعداد السكّان وينتشرون بشكل أساسي في ستّة محافظات هي حمص وحماة ودمشق وحلب واللاذقيّة والقنيطرة (الجولان)
 
 

لكن هل كان العلوي حافظ الاسد، الذي طرد شقيقه العلوي رفعت من دمشق بعد اقتراب القوات الموالية لهما من مواجهة عسكرية في العام 1984، يؤمن فعلا بأقليات واكثريات؟ ام فقط بمصالح؟ وهل من الممكن الحديث عن طائفة علوية موحدة بعدما قامت قوات حافظ الاسد بتصفية الموالين لرفعت تماما في العام 1999 في معارك في اللاذقية بهدف تأمين انتقال سهل للسلطة الى ابنه بشار؟

حافظ الاسد و”حزب الله” أعداء

في 16 فبراير 1987، اقتحمت “القوات الخاصة” بإمرة غازي كنعان، رجل حافظ الاسد في لبنان، ما يعرف بـ “ثكنة فتح الله”، في منطقة البسطة في بيروت، وقامت باعدام شباب كانوا بداخلها، جميعهم من مقاتلي “حزب الله” الشيعي اللبناني. في اليوم التالي، سار في جنازة الضحايا ما يقارب 10 الاف مشيع من الشيعة اللبنانيين، واستبدلوا هتافهم المعتاد “الموت لاسرائيل” بالـ “موت لسوريا”، فيما طالب كبار رجال الدين الشيعة، وعلى رأسهم محمد حسين فضل الله وامين عام “حزب الله” صبحي الطفيلي الاسد بالاعتذار من الحزب ومن اهالي الضحايا.

لم يتراجع الاسد يومذاك ولم يكترث لتحالفه مع شيعة لبنان، ولا لنظرية تحالف الاقليات عموما، ولا لتحالفه مع ايران راعية الحزب، التي ارسلت وزير داخليتها علي محتشمي في زيارة غير مقررة مسبقا الى دمشق للقاء الاسد في 6 آذار (مارس)، حسب جوبن غودارزي في كتابه “سوريا وايران”. ويقول غودارزي ان الاسد لم يمنح ضيفه اللقاء حتى بعد إلقائه خطابا بعد يومين قال فيه انه في حال استولت ايران على البصرة في حربها مع صدام، فانها ستجد جميع العرب في مواجهتها، اي انه في مناورة سياسية واضحة، وضع الاسد التحالف العلوي – الشيعي جانبا، وألمح الى عروبة السوريين وتاليا امكانية عودته الى الصف السني.

 

هذه المناورة التي اتقنها الاسد الاب وساعدت في بقائه رقما صعبا في نظر حلفائه قبل اعدائه، يعتقد كثيرون انها فاتت الاسد الابن الذي ارتمى في حضن حليفته ايران من دون غيرها، وصار كثير الاعتماد عليها حتى نجحت طهران في السيطرة على قراره.

“قال الاسد لمحتشمي انه لا يقبل اي نشاط ضد مصالح سوريا في لبنان، وانه يتوقع تعاون طهران وحزب الله في هذا المجال.. اي انه ان افترقت مصالح ايران – حزب الله عن مصالح سوريا، للمصالح السورية اولوية”، يتابع غودارزي. هذا الترتيب في تحالف الاسد الاب – حزب الله ظل سائدا حتى خروج قوات الاسد الابن من لبنان في العام 2005، وساهم في سيطرة الاسد شبه التامة على الشيعة في لبنان وخصوصا على “حزب الله”.

 

ويروي مبعوث السلام السابق دينيس روس في كتابه “السلام المفقود” انه طلب من الاسد مرة اثناء احد اللقاءات بينهما ان يلجم نشاط “حزب الله” ضد الاسرائيليين كبادرة حسن نية في خضم مفاوضات السلام بين دمشق وتل ابيب. وفعلا، يقول روس، اوقف “حزب الله” عملياته العسكرية تماما بعدما وعده الاسد بذلك. لقد كان “حزب الله” كالخاتم في اصبع الاسد الاب.

بشار الاسد و”حزب الله” أصدقاء

“انت قلتلي ممكن يتأمن بضاعة محليا”، يقول الرجل الذي عمل مخبرا للأمن اللبناني متوجها الى النائب والوزير السابق ومستشار بشار الاسد في لبنان ميشال سماحة، الذي يجيبه: “بيقولو للحزب بيحطن بالمطرح الفلاني وخلص منشيلن. ما بيعرفو مين، ولا وين، ولا بيعرفو شي”. في محاضر التحقيق اللاحقة، التي نشرتها صحيفة “الجمهورية” اللبنانية، يظهر سماحة وهو يسلم المتفجرات التي كان يطلب من المخبر زرعها لاغتيال شخصيات معارضة للأسد في شمال لبنان.

 

صالح العلي ودولة جبل العلويين

 

ولد الاب الروحي للطائفة العلوية صالح العلي عام 1883. يقال ان أول رصاصة اطلقت في وجه الاستعمار الفرنسي كانت في أواخر عام 1918 عندما حط الفرنسيون رحالهم على شاطىئ طرطوس. ومن أشهر المعارك التي خاضها العلي ضد الفرنسيين معركة “وادي ورور” بالقرب من مدينة الشيخ بدر،حيث تكبد فيها الفرنسيون أكبر الخسائر.
 
واعتبرت ثورة صالح العلي والتي استمرت ثلاث سنوات ونصف السنة ثورة اشتراكية على الجوع والفقر والجهل والمرض والاقطاع والاستعمار. وبعد انتهاء الثورة عام 1921 عرض عليه الفرنسيين إقامة دولة علوية بالتعاون بينه وبينهم لاستلامها نهائيا من قبله، وعندما رفض الشيخ عرضهم، فرضوا عليه الاقامة الجبرية،
وفي الاستقلال في بداية الأربعينات (1943)عرض عليه في أول حكومة اختيار الوزارة التي تروقه لاستلامها فرفض مفضلا النشاط السياسي من خارج الحكومة. وقد توفي الشيخ صالح العلي في 13ابريل/ نيسان عام 1950 في طرطوس.
يذكر أن دولة جبل العلويين التي أسسها الانتداب الفرنسي ما بين عامي 1920 إلى 1936 على الساحل السوري (تشمل اليوم محافظتي اللاذقية وطرطوس). سكانها هم من العلويين في الجبل ومن السنة في الساحل ومن المسيحيين كذلك وقليل من الاسماعيلية.
في 29 أيلول 1923 تم إعلانها دولة عاصمتها مدينة اللاذقية، وفي 1 كانون الثاني 1925 تم تغيير اسمها رسميا إلى الدولة العلوية. وفي 22 أيلول 1930، أعيدت تسميتها سنجق اللاذقية. يوم 5 كانون الأول 1936 (اعتبارا من عام 1937) تم ضمها نهائياً إلى سوريا.
 

 

ويقول خبراء ان التناقض في اقوال سماحة قد يظهر أن نظام الاسد طلب من “حزب الله” مساعدته في تسليم متفجرات لعملائه في شمال لبنان، وان الحزب رفض ذلك، مما دفع مساعد الاسد علي مملوك الى الطلب من سماحة، وهو ليس صاحب اختصاص بالمواضيع الامنية، باستلام المتفجرات شخصيا في دمشق، وتسليمها للعميل في بيروت. وان كان ذلك صحيحا، يبدو انه للمرة الاولى منذ العام 1987 واتفاقية الاسد – محتشمي، لم تعد لمصالح الاسد اولوية على مصالح “ايران – حزب الله” في لبنان، فيما يجمع الخبراء على تباين في الرؤية بين الحزب وبشار الاسد حول وضع لبنان، ما دفع الاخير – في محاولة يائسة – الى الاعتماد على موارده الشحيحة اصلا لتنفيذ مخططاته في لبنان، وباءت المحاولة بالفشل.

واللافت ايضا انه باستثناء التصريح، الذي تراجع لاحقا الحزب عنه لرئيس كتلته البرلمانية محمد رعد الذي سخر من اعتقال الامن اللبناني لسماحة، يتمسك الحزب بصمت مطبق في موضوع الوزير السابق ولايبدو انه يهب لنجدته لاخراجه من الاعتقال، على الاقل حفظا لماء وجه حليفه الاسد في لبنان. هذا لا يعني ان طهران او “حزب الله” لا يقدمان كل مساعدة ممكنة لانقاذ حليفهم الاسد داخل سوريا ومساعدته في القضاء على الثورة المندلعة ضد حكمه منذ آذار (مارس) 2011. الا انه يعني انه في النظرة حول لبنان، هناك تباين واضح، فالحزب يسيطر على لبنان وحكومته، ولا يرغب في رؤية الامور تفلت من بين يديه او ان تتجه الى حرب اهلية تجبره على الغوص فيها وتضعف من امكاناته في اي مواجهة محتملة مع اسرائيل، خصوصا في ملف ايران النووي.

اما الاسد، الذي هدد قبل سنوات امين عام الامم المتحدة بأن المنطقة الممتدة من قزوين الى المتوسط ستنفجر في حال اتهم التحقيق الدولي اي مسؤول سوري بالتورط في جريمة قتل الحريري، فهو يسعى اليوم فعليا الى تفجير هذه المنطقة، او على الاقل الدول المجاورة له كلبنان والعراق. وربما يعتقد الاسد ان حربا اهلية في لبنان اوالعراق تشتت الانظار عن المجازر التي يرتكبها “الشبيحة” بأمرته بحق المدنيين السوريين، او ان هكذا حروبا اهلية تثني الغرب عن محاولة الاطاحة به، بل ممكن ان تستجديه لتثبيت الاوضاع عبر استخدامه للعنف المفرط.

كيف تنتهي هذه الثورة؟

 

كتب احد الصحافيين الذين غطوا الحرب الاميركي في العراق برفقة الجيش الاميركي ان الاميركيين عندما وصلوا اطراف بغداد وصار دخولها يبدو سهلا، نظر آمر الكتيبة الجنرال دايفيد بترايوس الى الصحافي وتوجه إليه بالسؤال: “ايمكن ان تقول لي كيف تنتهي هذه الحرب”؟
من يعرف اسلوب الاسد يعلم انه غالبا لا يكون لدى الابن او ابنه من بعده تصورا لما ستؤول اليه الامور، فالاسد الاب قلب هزائم عديدة انتصارات، فهو خسر عسكريا في العام 1973، الا ان الرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون زاره في يونيو 1974، وهو خسر في الاجتياح الاسرائيلي للبنان في العام 1982، ولكنه عاد مع حلول العام 1983 وقلب الموازين لمصلحته واجبر الاسرائيليين على التراجع في لبنان.
 
كذلك للأسد الابن انتصارات سياسية مشابهة في الماضي القريب، ولكن هذه المرة بمساعدة الاسرائيليين، على حد قول المسؤولين السابقين في ادارة جورج بوش، اليوت ابرامز وجيفري فيلتمان.
ففي ندوة في معهد هدسون في العام 2010، قال المسؤولان ان “اسرائيل هي التي فتحت الباب لسوريا للخروج من عزلتها الدولية”، التي كانت مفروضة عليها منذ اغتيال الحريري في 2005. مع حلول العام 2008، كانت اسرائيل تجري مفاوضات مع الاسد في انقرة، وهو ما فتح الباب للأسد، على حد تعبير المسؤولين الاميركيين.

 

 

ولكن منذ اندلاع الثورة السورية في آذار (مارس) 2011، يبدو ان حظوظ الاسد قاربت النفاذ، وان آل الاسد الذين تحكموا بلبنان لعقود خلت، لم يعد بامكانهم اخراج مستشار الاسد من السجن في بيروت.
“خطة الاسد الوحيدة هي استخدام العنف لتضييع الوقت”، يقول عجمي في كتابه الصادر مؤخرا بعنوان “الثورة السورية”، اي انه لا يبدو ان الباقي في جعبة الاسد الابن غير استخدام العنف المفرط بحق السوريين لاخافتهم واجبارهم على التراجع عن ثورتهم، وانتظار تطورات اقليمية او دولية قد تأتي في مصلحته.

 

اذن، لا يبدو ان لدى الاسد الابن تصورا حول كيفية انتهاء الاحداث المتسارعة داخل سوريا بطريقة تبقيه في الحكم، وهو ما حمل الخبراء على محاولة تقديم سيناريوات متعددة لما قد يقدم عليه الاسد للخروج من ورطته.
ابرز السيناريوات هو انتقال الاسد الى معاقل العلويين في الشمال الغربي، وتمركزه هناك لاطالة امد القتال، وربما انشائه دولة علوية بمثابة دولة امر واقع يعمل على الحصول على اعتراف دولي باستقلالها في وقت لاحق. ويشجع على قبول هذا السيناريو قيام قوات الاسد وشبيحته بما يشبه “التطهير العرقي” بحق غير العلويين في القرى السنية المجاورة لحدود الدولة العلوية.

لكن مشكلات قيام الدولة العلوية كثيرة، ليس اقلها انعدام الموارد الطبيعية لهذه الدولة، وصغر رقعتها الجغرافية، وغياب اي دليل ان الاسد، او من قد يخلفه في ادارة امورها، لديهم خطة للحكم الرشيد لجعلها دولة متقدمة اداريا واقتصاديا على جيرانها، بل ان الدلائل تشير الى غياب البنية التحتية للدولة العلوية المزعومة، فلا مطارات دولية فيها، ولا محطات كهرباء ولا اوتوسترادات سريعة، ما يعني ان لجوء الاسد اليها سيكون بمثابة عودة العلويين الى عزلتهم التاريخية في جبالهم، مع فارق ان في هذا الزمن، على عكس قبل قرن او اكثر، لم تعد المناطق معزولة كما في الماضي.

انعدام فرص قيام الدولة العلوية قد يدفع العلويين الى محاولة البقاء داخل سوريا الموحدة، ولكن هذا يزداد صعوبة مع استمرار بقاء الاسد، الذي يبدو انه يدفعهم في الغالب الى ارتكاب مجازر بحق غير العلويين. ومن نافل القول، ان الدماء يؤدي الى المزيد من الدماء، وكل ما طال امد المواجهة، زاد الثأر والنقمة والحقد ضد العلويين، وجعل من بقائهم في سوريا، ناهيك عن شراكتهم في الحكم، امرا بالغ الصعوبة.

في جلسة خاصة، يقول احد “المستعربين” في وزراة الخارجية الاميركية ممن يراقبون الوضع في سوريا، ان الاسد اتخذ قراره بخصوص الثورة السورية منذ اليوم الاول عملا بالتقليد القبلي: “اما قاتل واما مقتول”. هذا يعني انه، وللأسف، كل ما طال ارتباط العلويين بالاسد، ارتبط مصيرهم بمصيره، وصاروا كمجموعة في موقع “اما قاتل او مقتول”، وهذا نوع من الانتحار الجماعي الذي قد يعيد العلويين الى الماضي الذي كانوا فيه بمثابة المنبوذين، وهذا ان حصل، قد يؤكد مقولة ان “التاريخ يعيد نفسه”.

 

المجلة - حسين عبد الحسين

 

لم يتم اضافة تعليق لغاية الآن.
عناوين الاخبار الاخرى
مختارات