أحدث الأخبار

عبد الرزاق عيد / كاتب ومفكر وباحث وسياسي سوري

12 Punto 14 Punto 16 Punto 18 Punto

تعدد الأصوات في الثورة السورية

21 November 2012 Wednesday

 

إن صوت المثقفين المستقلين: بدأ مع بيان (99) المطالب بالدولة المدنية الحقوقية الحديثة ذات الشرعية الدستورية وفصل السلطات والعقد الاجتماعي كانت ردة فعل الصوت الثاني (الأسدي المخابراتي) هي المتمثلة بردة فعل الوريث الحاكم المعتوه الأبله بعد توليه، غبّ نفوق أبيه الطاغوت وتحوله إلى (جيفة) أنه طالب زبانية أبيه (المخابرات أن يراقبوا دون أن يتصرفوا).
انتظروا حتى صدور بيان (وثيقة لجان إحياء المجتمع المدني) أو ما سمي بوثيقة الألف التي سميت كذلك لتوقيع ألف من المثقفين المسيسين والمستقلين عليها، بالإضافة إلى من وقع عليها من بعض أفراد الأحزاب الذين سحبوا توقيعاتهم بتوجيه من أحزابهم، بعد أن قرعت الأجهزة الأسدية طبول الحرب بما ذكر ببداية فتنة الثمانينات، وإبادة السياسة باسم الحرب ضد الأخوان المسلمين.. من قبل الطاغية الأب قبل نفوقه وتحوله إلى (جيفة) .
قادة المعارضة حينها اعتبروا أننا رفعنا السقف في هذه الوثيقة أكثر من طولنا وحجمنا ، وأن من يحق له رفع السقف هي الأحزاب وليس المثقفين المستقلين ، وبالتالي لا معنى لمواجهة النظام الأسدي تحت راية المثقفين ..قلنا لقيادة المعارضة بأن ليس أحد بيننا من يسعى للحلول محل المعارضة ومحل الأحزاب لكنا ألقينا بحجر بمستنقع الركود في ظروف غيابكم الصعبة بانتظار فترة نقاهتكم الضرورية بعد عشرات السنين في السجون ونحن يشرفنا أن نكون تحت راية العديد ممن تجاوزوا (مانديلا) بصمودهم الأسطوري في السجون .

إن ردة فعل السلطة على مثقفين وأدباء ومفكرين وفنانين ستكون بالضرورة أقل شراسة من ردة فعلها نحو أحزاب سياسية محترفة ،تعرفها وتعرف توجهاتها وأمزجتها السياسية بشكل جيد بسب اعتقالاتهم الطويلة ، وتعرف مع من يمكن أن تراهن على (رخاوته أو شدته )، وبالتالي فالعودة لاعتقالهم أسهل من اعتقال كتاب وفنانين لا تعرف استجاباتهم الفردية من جهة ، بالإضافة إلى أنهم أفراد وليسوا جماعات حزبية، وبالتالي فهم أسهل السيطرة عليهم، بالإضافة إلى الرصيد الإعلامي الذي تملكه الشخصيات الثقافية، والمقصود هنا الحديث عن المثقفين المنتجين للثقافة أدبيا أو فكريا أو فنيا وليس المثقفين المهنيين.
الصوت الثقافي المعارض المستقل كان يراهن على (الممكن اجتماعيا وثقافيا من الأجيال الجديدة الشابة) انطلاقا من العنصر المستقبلي الضروري في الإنتاج الابداعي الذي يتوجه إلى متلق جديد لإنتاج وعي نوعي جديد، وهذا ما كان يتعارض مع الصوت السلطوي الذي يريد انتاج نسخ (كراكوزية) متوالية لأصحاب الهتافات وتمجيد السلطة والطاغية من جهة ، ولصوت المعارضة التقليدية المناظرة والموازية بنيويا لبنية السلطة الشمولية خلال خمسين سنة، حيث تنافسها على شعاراتها القومية والثورية في (الوحدة والحرية والاشتراكية)..ولقد قال لنا حينها العلماء السوفييت (سوسلوف وبوناماريوف) في ملاحظاتهم على الصراع الانشقاقي داخل الحزب الشيوعي في بداية السبعينيات ، بأنه يمكن أن نجد من هم أكثر قومية من ( الشيوعيين السوريين)، (وهم البعثيون ) وفي ذلك ردا على تيار (المكتب السياسي – رياض الترك (القوموي) الشعاري المزاود على البعث قومويا لمنافسته ومنازعته السلطة، عندما كان يعتبر الترك حينها وكأنه مفكر، ولكن ينبغي للشيوعيين –في المقابل وفق ملاحظات ما اشتهر من العلماء السوفييت- أن لا يكون في البلد من يمكن أن يكون أكثر منهم اشتراكية، وفي ذلك تأييد لتيار خالد بكداش (الاشتراكوي البيروقراطي الأمماوي "المسفيّت" عندما كان حينها يعتبر بكداش وكأنه مفكر يمثل اتجاها مضادا للترك) لكن حينها الكل (بكداش والترك) كان متفقا على أن الديموقراطية (كذبة بورجوازية لتزييف الوعي الطبقي الثوري لدى الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية، وتزييف الوعي التحرري الوطني لدى الشعوب في بلدان التحرر الوطني). 

بعد البرييسترويكا السوفياتية في منتصف الثمانينات، تحول جوهر الانشقاق في حركة اليسار العالمي من تناقض في البلدان النامية، من تناقض بين (قومية واشتراكية) إلى تناقض بين الطرفين (القومية والاشتراكية ) من جهة و(الديموقراطية) من جهة أخرى.
والديموقراطية في هذا السياق تم التعامل معها كـ (بنية إجرائية)، حيث يمكن أن تتحول إلى وسيلة أداتية سياسيا وفق وصفات فكرية وايديولوجية ليبرالية –قومية- إسلامية –اشتراكية) ما دامت قد تحولت إلى إناء يمكن ملؤه بما نشاء من خيارات فكرية وايديولوجية متنوعة، بعد أن تم تفريعها إلى طرق ومسالك ذات مرجعيات فكرية وايديولوجية متعددة بوصفها أداة أو وسيلة تقنية تطبيقية، وهذا مما سيلقى أثره وتأثيره على التيارات الفكرية والسياسية والايديولوجية في سوريا،حيث سيساهم بكسر بعض الحواجز السياسية، حتى لو ظلت معوقات السياجات الدوغمائية العقائدية قائمة وفق تعبير الراحل محمد أركون.
الصوت السلطوي (البعثي الأسدي)، تلقف مبدأ الديموقراطية عبر تطويعه لفكرة (تعدد الهويات المتصارعة) بصيغة الاعتراف بتعدد الهويات المستقلة عن التاريخ، واحترام الخصوصيات التاريخية والثقافية لكل أمة مستفيدا -عبر نخبه السلطوية في الغرب- من البنيوية النسقية وصراع الأنساق المغلقة، حيث يبدو أن الاستبداد والطغيان هو خصوصية قومية عربية ..وأن أي نقد لها لا يعدو أن يكون اعتداء على السيادة الذاتية وتدخلا في الشأن الداخلي للأمة التي تبدو وفق هذا الخطاب الرعاعي بأنها متاع من متاع الحاكم أو قطيع من قطعانه.. أما الصوت الإسلامي فتعامل مع الديمقراطية بوصفها لا تتناقض مع الشورى والدولة المدنية، وهي خطوة هامة على طريق المصالحة الوطنية مع الأطراف الوطنية المدنية والسياسية الأخرى في المجتمع الوطني.

التيار الوحيد الذي كان أقرب إلى روح الديموقراطية فكريا وثقافيا، ولكنه لم ينتج نفسه سياسيا، هو التيار الليبرالي الذي وئد منذ الخمسينات مع الزحف الشعبوي للناصرية أولا وللبعثية ثانيا، وللشيوعية الستالينية (المسفيتة ) ثالثا، حيث شكلت (السفيتة الستالينية) الملاط اللاصق الفكري والايديولوجي للناصرية والبعثية، لتعطيهما نكهة من الشرعية النظرية فما يبدو أنه ترسيمة فكرية أو مصفوفة نظرية منسجمة ومتماسكة شموليا، ولها مرجعيتها العالمية والكونية في النموذج الاشتراكي (اللبيروقراطي الستاليني السوفييتي ).
هذا التيار المستقل الذي شكل نواة ربيع دمشق، من البيان التأسيسي (99) مثقفاً، إلى لجان إحياء المجتمع المدني، ومن ثم إلى إعلان دمشق ...فإن المستقلين كانوا يشكلون الجسم الأساسي للحراك الديموقراطي الذي قاده الشباب المثقف في سوريا التي كانت قد دخلت لحظة نفق ما دون الصفر مستقبليا منذ الثمانينات، بل إن القطاعات الشعبية الوطنية المستقلة عن ايديولوجيا السلطة الشمولية (البعثية قوميا لكنها الطائفية وطنيا) والمعارضة الشمولية (يسارويا وقومويا وإسلامويا) التي تكن كراهة باطنية مضمرة ضد الديموقراطية الغربية بوصفها كذبة الغرب (الامبريالي يساريا، المعادي للعروبة قوميا، والمعادي للإسلام صليبيا)، حيث شكلت الفئات الوسطى المستقلة بنيويا عن المنظومات الشعارية اللفظية الصائتة، الحاضنة الأساسية لأفكار الثورة الديموقراطية، ثورة الحرية والكرامة.. ولا تزال هذه الشرائح المستقلة عن كل ارتباط بنيوي ايديولجي شعاري شمولي بأي حاجز عقائدي دوغمائي (سلطويا أسديا – أومعارضة حزبوية يسارية أو يمينية) فصوت الشرائح الوسطى المستقلة، هو الصوت المرتجى والمعوّل عليه مستقبليا، في بناء سوريا الحرية والكرامة .

مختارات