أحدث الأخبار

عبد الله ناصر العتيبي / كاتب وصحافي سعودي

12 Punto 14 Punto 16 Punto 18 Punto

من يتفضل ويصحح مفاهيم الإبراهيمي؟

02 December 2012 Sunday

 

يبدو أن السيد الأخضر الإبراهيمي بحاجة إلى من يشرح له حقيقة الوضع في سورية. موافقته أولاً على أن يكون مبعوثاً أممياً، وتصريحاته المباشرة بعد تسلمه هذه المهمة، وطريقة تعاطيه مع المستجدات والمتغيرات اليومية على الأرض السورية، وأخيراً كلمته التي ألقاها في نيويورك قبل أيام... كل ذلك يدل على أن الرجل لا يعرف بالضبط طبيعة الصراع في سورية، ولا يدرك المآلات التاريخية لهذه الأنواع من الصراعات.

الرجل ديبلوماسي سابق، وهنا تكمن المشكلة، بالضبط هنا تكمن المشكلة: ديبلوماسي وسابق، مشكلته أنه ديبلوماسي ومشكلته الأخرى أنه سابق!

الديبلوماسيون في العادة يظنون أن بإمكانهم حل كل المشكلات من خلال التفاوض، ويعتقدون أن المحادثات المباشرة والمتكررة، والمملة ربما، هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمات، ومصيبتهم الكبرى أنهم خلال الدخول في دوائر مهماتهم يتنازلون عن تقويمهم الحقيقي لأسباب الصراع ويغضون البصر عن حاجة الشعوب إلى التحرر، كل ذلك من أجل الخروج بتسوية تُسجَّل بأسمائهم وتستدرج لهم الخلود في سجلات تاريخ السياسة.

مشكلة الإبراهيمي الأخرى تتمثل في كونه ديبلوماسياً سابقاً، والديبلوماسي السابق يشبه تماماً الممثل الهوليوودي الكبير السن. انحسار الضوء عنه، وقد كان مسلطاً عليه بقوة، يربك حساباته الداخلية بشدة، ويجعله يركض خلف النور، وقد كان يهرب منه. الإبراهيمي بعد الغياب لفترة لا بأس بها في ظلام الشوارع الخلفية المحاذية لشوارع السياسة والديبلوماسية المضاءة، قرر بسرعة -ويا لكرم الأقدار- قبول المهمة المستحيلة: تسوية النزاع السوري بين المعارضة وبين نظام البعث بشكل سلمي! قبل المهمة وهو يعرف أن الحل مستحيل الظهور في الأفق، لكنه يعلم في المقابل أن ظلام المنفى لا يحتاج إلى أفق ليهاجم من خلاله، بل يداهم الروح من الداخل.

السيد الإبراهيمي قال قبل أيام في الجمعية العامة للأمم المتحدة: «إما أن يتوصل السوريون إلى تسوية سياسية وإما أن تتحول سورية إلى دولة فاشلة في حال استمرار الأزمة، مع كل ما يمكن توقعه من تداعيات لذلك عليها وعلى المنطقة. لا أحد يريد أن يرى دولة فاشلة في سورية وتلاشي مؤسسات الدولة والحرب الأهلية واستمرار تهريب السلاح».

الإبراهيمي يتفضل بطلب إيقاف العمليات العسكرية ضد النظام والركون إلى تسوية سياسية قد تتمثل ربما، أقول ربما، في عفو رئاسي عن «الإرهابيين». ويتمنى كذلك إيقاف تدفق السلاح لـ «الإرهابيين»، «الإرهابيين» وحدهم، لأن في ذلك خطر على المنطقة وتهديد للأمن والسلم الدوليين.

من يستطيع من أركان النظام البعثي في سورية أن يقول أفضل من هذا الكلام؟ إنه رجل النظام بامتياز. إنه أفضل المحامين الدوليين الذين يمكن التعاقد معهم، لتخليص الأسد وعصبته ونظامه وكتائبه من السقوط في منزلق الإقصاء والمحاكمة والتجريم.

ليس هذا فحسب، بل أضاف: «إن دول المنطقة غير قادرة على وضع خطة سلام تُخرج سورية من أزمتها خلال وقت قصير، لذلك لم يعد لنا سوى الأمم المتحدة وتحديداً مجلس الأمن. هنا في هذا المكان يمكن خلق عملية قابلة للتحقق لإطلاق عملية تفاوض سياسية، بناء على خطة جنيف ومبادرة سلفي كوفي أنان، ومن أجل أن تكون خطة جنيف فعالة يجب أن تترجم عناصرها بقرار من مجلس الأمن يقر نشر قوات حفظ سلام قوية في سورية».

يقترح الإبراهيمي إذاً أن ترفع دول المنطقة يدها عن سورية. على السعودية وقطر وتركيا ومصر أن تتراجع، وتفسح المجال لمجلس الأمن ليرسل قواتٍ تحفظ السلام (الأسدي) وتأتي بالمعارضة (غير المسلحة) من الخارج لتستمع إلى شروط العفو الرئاسي! يظن المحامي الجزائري الكبير أن دول المنطقة تظهر عداءً واضحاً للنظام السوري، وبالتالي فهي غير صالحة للدخول في منظومة الحل الذي يرضي غروره الشخصي. إنه الأخضر الإبراهيمي القادم من كواليس الديبلوماسية ومنافي الأضواء.

بهذا التصريح صار الإبراهيمي «جهادسياً» أكثر من المتحدث الرسمي باسم الخارجية السورية جهاد مقدسي الذي أشار قبل أسبوعين إلى أن المعارضة هي من ترفض الحوار والحل السلمي مع سعي الحكومة إليهما!

ولا عجب في أن تنقل لنا الأخبار في اليوم التالي لكلمته في اجتماع الجمعية العامة تأكيدات سفير سورية لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري بدعم بلاده لمهمة الإبراهيمي بشكل كامل. وليس غريباً أبداً أن يُبدي الجعفري استعداد بلاده للتعاون مع الإبراهيمي، ويذكّر بتعاون بلاده مع مهمة مراقبي الأمم المتحدة وترحيبها ببيان جنيف.

من يتفضل ويشرح حقيقة الوضع في سورية للأخضر الإبراهيمي؟ من يتطوع ويبلغه أن الصراع في سورية هو مخاض شعب مقهور يسعى إلى الحرية والمدنية والديموقراطية والعيش بكرامة؟ من يخاطر ويقول له: عليك فقط أن تقنع بشار الأسد والدائرة المحيطة به بالرحيل لإيقاف نزيف الدم؟! تحدث مع بشار فقط، ودع الطرف الثاني يجرّب السير على خط حتمية التاريخ.

مختارات