أحدث الأخبار

د. محمد العبدة / كاتب ومفكر إسلامي

12 Punto 14 Punto 16 Punto 18 Punto

سورية وإعادة البناء

29 October 2012 Monday

 

 

ليس عسيراً أن تنجح ثورة وتقضي على الظلم والفساد الذي طال أمده , ولكن الأصعب من ذلك هو إدارة البلاد وسياسة العباد بعد ذلك , إدارة تأخذ بأسباب التآلف وتدفع أسباب التنافر , وتنعش الآمال بعد اليتم الذي عاشته الشعوب فترة من الزمن تحت حكم غاشم جائر , إن ما يجري في سوريا وما حدث قبل ذلك في بلدان عربية هو مرحلة تشكل تاريخي في غاية الأهمية , ولذلك فإن الفشل في إدارة الأمور سيؤدي إلى خيبة آمال مريرة , وربما تؤدي إلى عكس النتائج المرجوة , إن الموضوعات المطروحة للحوار والتي ستطرح حول إعادة البناء هي موضوعات لا تحتمل التأجيل ,لا بد من التفكير فيها , ومناقشة الحلول والبدائل , ولو أن التنفيذ سيكون بطريق التدرج والاستفادة من الزمن.

أولا: في السياسة

بعد هذا النظام الغاشم الذي بني على أسس من العصابات الأسرية (المافيا) الاقتصادية والحقد الدفين , هل نرمم هذه الدولة مع أن أساساتها واهية الأركان ومن جميع النواحي وفي جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية أم يجب ان نفكر في صيغة ملائمة لهوية الشعب وحضارته وثقافته , صيغة تسفيد من الحاضر والماضي من الواقع وما يدور حولنا , وهذا لا يتم إلا إذا حاولنا اقتلاع جذور الاستبداد , أي الخلاص من القيصرية لا من القيصر فحسب , جذور الاستبداد تأتي من التربية الناقصة في المنزل وفي المدرسة وفي المجتمع حين لا يسمح بأي مناقشة أو حوار أو اعترض. ويأتي الاستبداد في عدم تقييد الحاكم بشروط تلزمه في أقواله وتصرفاته ومراقبة أحواله وتحديد المدة التي يحكم فيها.

ويأتي من عدم فهم هذا الدين الذي هو محرر للإنسان من ذل الاسترقاق , ومن علماء السوء وتزيينهم لاستبداد الحاكم. ويأتي من الحاشية الخبيثة التي تؤنس الديكتاتور في وحشته وتشرع في هواه , وتدفئ أكاذيبه , ثم تزين له أنه (ديمقراطي) رصين , والحاشية تتسع كلما بعثرت السلطة أموال الأمة.

الإسلام يأمر أهله بأن يمارسوا واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وواجب حماية المستضعفين من الظلم والقهر , قال تعالى }وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا{ النساء(75) , وجاء في الحديث عن الرسول r (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) قال الصحابة : كيف ننصره ظالماً , قال (تردعه عن الظلم) , لا بد من إفشاء الحرية بين الناس حتى تكون العلاقة بين الفرد والدولة علاقة تعاون واحترام , وليست علاقة عداوة وانتقام كما هو الحال في الأنظمة الاستبدادية.

شعار الديمقراطية شعار مرفوع عند كثير من المهتمين بالشأن العام , والديمقراطية اختراع بشري لتنظيم وإدارة شؤون الناس , وهي عقلنة للحكم , يحاسب فيها المسؤول الأول وفيها مقارعة الآراء ومواجهة المعلومات بالمعلومات , وقد تحقق فيها عملياً دولة الرفاه في الغرب في القرن الماضي وتحقق فيها استقلال القضاء وكثرة الجمعيات الأهلية , وإن التناوب على الحكم يبعث حياة جديدة في ورشة الدولة فالحكومة التي تطيل الجلوس إما أن تصبح غير فعالة أو تصبح مختالة وطول احتكار السلطة يقسي الجلد ويعدم حساسية النقد.

لا شك أنها أفضل من الديكتاتورية خاصة عندما يشتركان في (العلمنة) ولكن هذه الديمقراطية أيضاً فيها نقائص كثيرة , فهي رخوة كما سماها الفيلسوف اليوناني المعاصر (كاستور يادس) والتي يؤدي التساهل فيها إلى ظهور المطامع الجنونية لأصحاب الأهواء من الفرق والأعراق , ويرى الفيلسوف الإسباني (سنتيانا) أن الديمقراطية تمتاز بنوع من الطغيان الخاص بها وهو عبادة شيء اسمه : المساواة والتشابه التام بين أفراد الشعب أي أن صوت أجهل الناس مثل صوت أعقل وأعلم الناس , ويميل هذا الفيلسوف إلى حكومة تقوم على أصحاب المواهب والشرف من الرجال.

والديمقراطية فيها عيبان كبيران أو مشكلتان كما يقوم (جون ستيوارت مل) وهما الجهل والمال , الجهل لأن ليس كل الناس عندهم القدرة على الاختبار الصحيح والمال له دوره في استمالة بعض , سواء بطريق مباشر (مثل الدول العربية ) أو عن طريق الإعلام القوي الذي يوجه الناس كما يريد وهذا الفيلسوف من أشد المدافعين عن الحرية , والغرب يعلم عن هذا النقص في الديمقراطية ولذلك أنشأ مجالس موازية لإيجاد التوازن والعدل مثل مجلس الشيوخ في أمريكا ومجلس اللوردات في بريطانيا ومجلس الشيوخ في أمريكا هو الرقيب على الرئيس , ويشترك معه في تعيين الوزراء والسفراء وقضاة المحكمة العليا وكبار الموظفين , بل انه ينفرد عن مجلس النواب (الكونغرس) بأن المعاهدات مع الدول الأجنبية يشترط فيها موافقة مجلس الشيوخ دون مجلس النواب. كان زعيم سنغافورة (لي كوان يو) الذي يلقب ب(كاهن القيم الآسيوية) يرى أنه لا بد من تطوير صيغة آسيوية للحكم غير الصيغة الغربية , فلماذا لا يكون لنا صيغة خاصة بنا تأخذ بمبدأ الشورى وتستفيد من الطرق التي طورها الغرب لإجراء الانتخابات ومعرفة رأي الناس واختيارهم لمن يمثلهم , والمسلمون يملكون حضارة عريقة وشريعة العدل والأمن من أسسها.

إن أمر الغالبية في المجالس البرلمانية إذا لم تكن مقيدة بالقيم والأخلاق , فقد تنجر إلى مصائب وبلايا , وسيظهر في المجتمع (عباد الشيطان) و(الشواذ جنسياً) ويقال أن هؤلاء الأقليات لهم حقوقهم أيضاً , وإذا كانت الانتخابات ستأتي في سورية من حيث الواقع , وسيكون هناك برلمان , فلماذا لا نعدل هذا النقص ويكون بجوار البرلمان مجلس آخر يضم علماء الدين والاختصاصين من المثقفين ووجهاء المناطق والقادة العسكريين , ويكون لهذا المجلس اختصاصات واسعة في الأمور الكبرى ودفع ما يناقض هوية الأمة.

أن مرض السهولة هو الذي يجعل بعض الناس يستورد الأفكار كما يستورد السلع للاستهلاك فالديمقراطية التي استقرت في الغرب لها تاريخ طويل بين تلك الشعوب , ونحن في رفضنا للاستبداد لا يعني أن نستورد شيئاً جاهزاً , وكذلك لا نقبل بالشعار الذي رفع في بدايات النهضة (المستبد العادل) بل نجدد من خلال مبدأ الشورى.

إن طريقة الانتخابات في البلاد العربية سوف تحرم المجتمع والدولة من كثيراً من المواهب , إما لأن هذه المواهب لا يعرفها كثير من الناس , أو لأن أصحاب هذه المواهب لا يقدمون أنفسهم من خلال المنافسات والحشود الانتخابية التي يتخللها الغوغائية , وإذا كان الأصل أن الناس سواء في اعتبار البشرية وحقوق الحياة , ولا أثر للألوان واللغات والأنساب والأقطار , ولكن هذا لا يمنع تفاوت العقول والمواهب , ومنع مساواة الجاهل والعالم في النظر في مصالح الأمة وإن المساواة القانوينة لا تلغي الفوارق الطبيعية , والقول بحرية الاختيار إنما يعني القدرة على اختيار الأفضل. إن كسب أصوات الناخبين أدى في أمريكا مثلاً ومن بعض النواحي إلى أن المرشحين يراعون أولياء التلاميذ في المدارس لكسب أصواتهم , وهذا مما جعل التلاميذ يمكنون من السيطرة على المدرسة.

كانت في سوريا بعد الاستقلال ديمقراطية وفي مصر أيضاً قبل انقلاب 1952 م  ولكنها كانت ديمقراطية فاشلة لأنها لم تراع هوية غالبية الشعب وتركيبته البنيوية , فهذه الشعوب تختلف تركيبتها الثقافية عن الآخرين فالدين هو محور ومنهاج حياتهم , ولا مقارنة مع الغرب حيث ظهرت البرجوازية والطبقة الوسطى التي أسست (الليبرالية) والديمقراطية.

 

ثانياً : في التعليم

التعليم والعلم هو الأساس في عملية التغيير , والمناهج الموجودة في المدارس الابتدائية أو الثانوية لا تخرج الشخصية الفعالة العملية , وبعض هذه المناهج هي حشو للأذهان يذهب بطاقات الشباب , وتمر السنون وهو لا يتقن علماً وعندما كتب المفكر الفرنسي (غوستاف لابون) عن سبب نجاح الإنكليز (السكسون) مقارنة مع الفرنسيين , اعتبر أن التعليم في بريطانيا أفضل من فرنسا لأنه يشجع على بناء الشخصية المستقلة التي تعتمد على ذاتها بعكس الفرنسيين الذين يعتمدون على الدولة.

وبعد المناهج يأتي المدرس فلا بد من تأهيله وإعطائه الأهمية المناسبة بسبب دوره الخطير في بناء الأمة.

إن كثرة المدارس الخاصة وإقبال الناس عليها بسبب ضعف المدارس الحكومية هي ظاهرة غير صحية والأصل أن يرفع المدارس الحكومية حتى تزول الفوارق ويتمكن عموم الشعب من إدخال أولادهم المدارس العامة.

يجب أن ننتهي من عقدة التعليم الجامعي حيث أن الكل يريد دخول الجامعة رغبة في تسلم (الشهادة) وليس حباً في العلم , ويتكدس الخريجون دون عمل , حيث لا يوجد تخطيط لحاجتنا للشهادات الجامعية وحاجتنا إلى أنواع من التخصصات.

هناك تخصصات في المرحلة الثانوية يمكن أن تكون مفيدة للمجتمع دون الوصول إلى الجامعات.

ثالثاً : في الاقتصاد

إن بناء اقتصاد راسخ وقوي يبدأ من حفظ ثروة الأمة فهذا الذي يساعد على النهوض وإقامة المشاريع التنموية والعلمية , وتطوير المدارس والجامعات , وتأمين الخدمات الصحية وغير ذلك من الأمور الهامة وقد وصف الله سبحانه وتعالى المال بأنه قيام للناس , ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال , بينما نجد أن المال قد نهب واستخدم في غير محله في الدول الاستبدادية , وتحولت الشعوب الى شعوب استهلاكية وهناك طبقة من الشعب تنفق المال على التوافه من الأشياء , وتكدست الثروة عند حفنة قليلة من الناس , وإن تركيز الثروة بأيد قليلة أو طبقة معينة يجعلها قادرة على تسخير الدولة لمصالحها , ثروات تكدست من مصادر غريبة : رشوة , عمولات , تجارة السلاح.

 

إن في سورية والبلاد العربية ثروات طائلة لم يستفد منها , وهناك ثروة بشرية متعلمة هي أهم هذه الثروات , ونسبة الشباب في البلاد العربية أعلى نسبة في العالم.

 

إن خبراء الاقتصاد يقولون: لا بد من البدء بالزراعة ثم الصناعة , أي لا بد من الأمن الغذائي أولاً , حتى لا تكون الدولة عالة في غذاء الشعب على الآخرين. هذا هو الطريق الصحيح , ولا يكون الاعتماد على السياحة المحرمة وما تعنيه من فساد أخلاقي , كما أن وجود البترول يجب ألا يخدعنا فهو أشبه بوارث يبيع قطعاً من الأرض التي ورثها لينفق على نفسه , الإنتاج الحقيقي هو الزراعي والصناعي.

 

ومن الأشياء الواضحة التي يعلمها كل خبير منصف , إن ما طرح في السنوات الأخيرة عن اقتصاد (السوق) وأنه هو الحل لكل المشاكل الاقتصادية قد فشل , وكان من ورائه الكوارث التي حلت ببعض دول أوروبا , وعاد الحديث عن ضرورة تدخل الدولة وخاصة في الخدمات العامة التي تهم كل الناس في الصناعات الاستراتيجية التي لا تكون للأفراد فالرأسمالية تعتمد على أناس يجهدون أنفسهم ليجعلوا أناس آخرين أثرياء.

 

وقبل هذا فشل النظام الاشتراكي الشيوعي فشلاً ذريعاً وكان أحد أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي , بعد كل هذه التجارب في العالم ألا يحق لنا أن نقول : إن استلهام القواعد العامة للاقتصاد من القرآن الكريم وقواعد الشريعة واجتهاد الفقهاء في القديم والحديث هو الطريق الصحيح لاقتصاد نافع لكل انسان , قد يقال : هذا كلام عام وأين التفاصيل والبرامج … إن التفاصيل تأتي عندما يكون هناك جدية في القبول والتنفيذ , وفقهاء الشريعة وخبراء الاقتصاد موجودون.

 

حاولت بعض دول أوروبا الغربية أن تخفف من آثار الرأسمالية البشعة أو ربما خوفاً من مجيء الاشتراكية , فسنت قوانين الضمان الاجتماعي التي شملت أكثر الناس , وهذا عمل إنساني صحيح والمسلمون أولى أن يرجعوا إلى تطبيق هذا الأمر , خاصة وأن دينهم يأمرهم بأن لا يكون في المجتمع من لا يجد كساء أو غذاء أو مسكناً يأويه.

 

إنه من غير المقبول أن نرى من يعيش في مدن الصفيح , ومن لا يطمئن إلى غده, هل ستتوفر الضرورات الأساسية لحياة الإنسان.

 

إن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة علاقة قوية وحفظ الثروة مما يساعد قوة الدولة وقوة الأمة واستقلالها.

 

رابعاً: في الثقافة والتعددية الثقافية

خامساً: هل هناك فرق بين مصطلح (التعددية الثقافية والعرقية) وبين مصطلح (التنوع الثقافي والعرقي) وأظن أن هناك فرقاً , فالتنوع الثقافي والعرقي شيء طبيعي , وهو موجود في أكثر بلدان العالم , والناس يتعايشون مع بعضهم في دولة واحدة ووطن واحد , أما مصطلح التعددية الثقافية فربما يطالب أصحابه بنوع من الانفصال أو نوع من الاعتراف الداخلي الذي يؤدي مع الزمن إلى الانفصال , وهو شيء ليس في صالح الأوطان ولا في صالح الذي يطالبون به , ومن الطريف أنه جرى في عام 1998 استفتاء في ولاية كاليفورينا في الولايات المتحدة الأمريكية على إلغاء برامج التعليم ثنائي اللغة في المدارس العامة , كانت النتيجة أن نسبة المؤيدون للإلغاء كانت61% .

هناك مواطنون من أديان مختلفة ومن أعراق مختلفة يعيشون مع الأكثرية من مئات السنين , ولا داعي لهذا المصطلح (أقليات) والغرب يؤكد على الأقليات وينبشها في كل وقت حتى لا تستقر هذا المجتمعات , فالجزء يجب ألا يطغى على الكل , فالأجزاء يمكن أن تكون (أفقية ) ولكن تصبح مشكلة عندما تتحول إلى (عمودية) منافسة للكل الذي هو (الأمة) وبحجة (التعددية الثقافية) يعتبر الجزء نفسه (ثقافة) وأداة للسيطرة على الآخر.

وأما موضوع (الأصالة والمعاصرة) فهذا لا يتم بخلطة سريعة ولا هو عملية (كيمائية) والصحيح هو استعادة المعاصرة من الإسلام نفسه.

أي العودة إلى نصوص الإسلام المؤسس (القرآن والسنة) حيث يكتشف من خلالها الاتساع والإحاطة بطل عصر وكل مكان , ودين الأكثرية هو الناظم للجميع حتى لا ينفرط العقد , لأن الأكثرية لا تكون أكثرية دون أن تكون عندها القدرة على جمع الكل واحتواء الجميع من خلال القيم ومن خلال التواضع والأخلاق العالية.

 

خامساً : الهوية

هل نتغاضى عن موضوع الهوية وهل نترك هذا الجانب دون تحديد , وهو موضوع ذو أهمية بالغة , لأنه بسبب عدم التحديد كان هذا الصراع الطويل الذي أنهك الأمة وبعثر الجهود , كان الصراع بين من يريد التغريب والعلمانية وبين من يريد المحافظة على هوية الأمة وعقيدتها وحضارتها.

هل تعيش أمة دون هوية أو دون تحديد المسار والغاية ؟ أم هل نظن أن الدول المشهورة اليوم أو الأمم المتقدمة تعيش دون هوية ؟ ربما لا تظهر علناً في الكتابات أو الإعلام , ولكنها معروفة ضمناً كما في غرب أوروبا وأمريكا , ألم يقل رئيس فرنسا السابق (جيسكار ديستان) إن أوروبا (مسيحية) رداً على من يريد إدخال تركيا في الاتحاد الأوربي , هل نتهم بالتعصب إذا قلنا أن هوية الأمة هي الإسلام , وقد عاشت كل الأعراق في ظل الحضارة الإسلامية وتعلمت اللغة العربية , لأنها لغة القرآن الكريم وهي لغة شريفة وواسعة وثرّة , كانت الهوية واضحة عند علماء الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس عندما أعلنها صريحة أن الجزائر عربية اسلامية مع أن الشيخ من أعرق الأسر الأمازيغية في الشمال الأفريقي.

 

لقد فشلت كل المشاريع الليبرالية والعلمانية في انجاز أي مهمة كبيرة لأنها كانت تستبطن (أو تظهر) العداوة للإسلام  بينما نجد أن فيلسوفاً وسياسياً بريطانياً (جون لوك) في القرن السابع عشر الميلادي يكتب "ينبغي على الحاكم أن لا يتساهل مع الملحدين لأنه لا أمان لم لا يؤمن بالله[1]", أما غير المسلمين الذين عاشوا طوال القرون الماضية في ظل الحضارة الاسلامية , هؤلاء مسلمون حضارتنا كما قال أحد عقلائهم من مصر - مكرم عبيد - (أنا مسلم وطناً ونصراني ديناً !) والرد على (القومية العربية) العنصرية المتعالية لا يكون بإنشاء قوميات أخرى بل بالرجوع إلى الأصل , وهو الجامع الأكبر بين شعوب المنطقة وهو الإسلام , يقول الشيخ ابن عاشور "فالجامعة الدينية لما كانت راجعة إلى الجانب العقلي المحض , وهو الجانب الذي به كان الإنسان إنساناً , كانت هي أولى الجوامع بالاعتبار[2]".

 

والأسماء اللامعة في التاريخ الإسلامي مثل طارق بن زياد , ونور الدين وصلاح الدين والظاهر بيبرس وأمثالهم إنما برزوا بالإسلام وباحتضان الشعوب العربية الإسلامية لهم ولم يتميزوا عن جمهور الأمة بلغة أو ثقافة فالانتماء هو انتماء عقدي حضاري يجب أن يتحول إلى أمة تعرف غاياتها ولا ينقض كل واحد ما بناه الآخر , من الذي قام في وجه الظلم والاستبداد عام 1964 في حماة , ومن الذي قام في وجه الظلم والقهر والفساد عام 1980 , لقد سطر الشباب المسلم أعظم البطولات , واليوم تخرج المظاهرات من المساجد تنادي بالحرية لأبناء الشعب السوري كافة.

 

 


[1] - رسالة في التسامح /58

 - [2] أصول النظام الاجتماعي في الإسلام /107

 

لم يتم اضافة تعليق لغاية الآن.
مختارات