أحدث الأخبار
الروائي اللبناني الكبير إلياس خوري
13 October 2012 Saturday

الروائي اللبناني الكبير إلياس خوري

الشعب أعطانا درساً بليغاً في الثورة.. فهل فهمناه؟

 

الحديث مع إلياس خوري أمر جميل. فالروائي اللبناني الكبير متفائل للغاية، كرر أكثر من مرة عبارة لشاعر شعبي كان ضمن صفوف المقاومة الفلسطينية بلبنان »لازم تُظبط«، الرجل مازال مأخوذا بأيام الثورة المصرية الأولي، ويري أن وصول الاسلاميين للحكم في تونس ومصر ليس نهاية الثورة، ولكنه مجرد محطة علي الطريق. يعرف جيدا أن ما يحدث في سوريا ثورة يدفع ثمنها أبناء سوريا، ويسخر من القائلين بأن هناك مؤامرة، ويتساءل: كم طلقة رصاص أطلقها النظام السوري بالمقاوما بعد أكثر من أربعين عاما علي احتلال الجولان؟

إلياس خوري من كبار الكتاب العرب، اختار القضية الفلسطينية منذ شبابه كحياة، انخرط في صفوف منظمة فتح الفلسطينية منذ كان في التاسعة عشرة، وكتب عن الفلسطينيين، حيث لا يغرم إلياس بما لم يره، لا يحب حجارة لا يعرف عنها شيئا، ولكن يعرف الفلسطينيين، ويحبهم، فهم بالنسبة له فلسطين، وليست الأسماء والمدن البعيدة. إنه احد الكتاب العرب القلائل الذي لم يسقط عند الكتابة عن فلسطين في فخ الصوت العالي، أو الكتابة عن قضية يموت في سبيلها ارقام وليس بشراً، يكتب عن البشر، يكتب الرجل فنا رفيع المستوي، حكايات يضفرها سويا، يغزلها ليصنع فسيفساء بشرية يمكن أن نسميها نحن فلسطين، أو الحرب الأهلية اللبنانية، أو ما شئنا من أسماء، المهم لدي الروائي إلياس خوري ان يحقق هدف الأدب الذي هو بالنسبة له »الإمتاع والمؤانسة«، فالرجل لا يكتب شهادات، ولكنه يشهد علي ما يحدث في عالمه. من مصر إلي سوريا تحرك الحديث، ومن موقف المثقفين إلي الاسلاميين تحرك حديثنا مع إلياس خوري الذي يعرف جيدا انها »لازم تظبط«.

الأدب والسلطة

كان في زيارة للقاهرة لإلقاء محاضرات عدة لطلبة الدراسات العليا ضمن دورة ينظمها كلّ من مركز »دراسات الشرق الاوسط«، التابع لمعهد الدراسات المتقدمة ببرلين، بالاشتراك مع الجامعة الامريكية بالقاهرة، وقسم اللغة الانجليزية بجامعة القاهرة، موضوع الدورة كان عن علاقة السياسي بالجمالي في ظل الثورات في العالم العربي.

- سألته عن انطباعه عن مستوي الباحثين الذين التقاهم، فكان متحمسا جدا اليوم ومع درجة التطور الاجتماعي التي وصل لها العالم يجب أن يكون مكان الأدب هو الجامعة، حيث يمكن للجامعة ان تستدعي أدباء ليدرسوا الادب، أو ليكتبوا ابداعاتهم الخاصة، هذا هو المحل الوحيد الذي يخلص الادب فيه من سيطرة أي سلطة حتي لو كانت سيطرة الصحافة، التي ما زالت للاسف تبحث عن استقلاليتها، وحتي يصبح الكاتب حراً ومستقلاً ويعيش بكرامة. وانا اتصور أن المكان الحقيقي للتطور هو الجامعة، وهذا مازال للاسف غائبا عن العالم العربي، فسؤال: كيف يتم الربط بين الإبداع الأدبي والثقافي والفني وبين الجامعة سؤال مهم يجب بحث كيف يمكن الإجابة عليه، وهذا هو الاساس في جامعات أوربا وأمريكا، حيث توجد برامج لجلب أدباء لتعليم الطلاب ولكن بشكل أساسي من أجل اعطاء الكتاب استقلال اقتصادي يمكنهم من الحياة والابداع، واتصور ان هذا هو الطريق لتشجيع الكتاب وليس عن طريق منح وزارة الثقافة التي اظن انه يجب إلغاؤها.

البنية الايديولوجية

أسأله: بعيدا عن الأدب والجامعة، إلي أين وصل الربيع العربي الآن؟

ــ بداية أنا لا أحب تسمية الربيع العربي، لأن تلك التسمية ترتبط بمرجعية أخري فيما يعرف بربيع براج، وما حدث ويحدث في العالم العربي يختلف كثيرا عما حدث أيضا في مرحلة ما بعد سقوط جدار برلين، حيث كانت الانظمة الستالينية تقوم بشكل اساسي علي بناء ايديولوجي، وعندما تفككت الايديولوجيا انهارت الانظمة، بينما في العالم العربي فقدت الانظمة التي ثارت عليها شعوبها شرعيتها منذ الخامس من يونيو عام 1967، وظلت قائمة بعد تلك الهزيمة اربعين عاما. تلك الانظمة لم تعد تملك بنية ايديولوجية منذ ذلك الحين، فما الذي تبقي من الناصرية في عهد السادات، ومن بعده مبارك، فيما يتعلق بالتصنيع او الاصلاح الزراعي او التعليم إلي آخره، وما الذي تبقي من ايديولوجية حزب زالبعثس في عراق صدام، او سوريا الاسد. خاصة اذا وضعنا في نظرنا ان الفكرة الاساسية لثورة يوليو كانت بناء جيش وطني قوي، وتبلورت هذه الفكرة أثناء حصار الفالوجا في حرب فلسطين، حيث شعر الضباط الشباب ان هذا النظام الفاسد الذي لم يعطهم اسلحة كان السبب المباشر في هزيمتهم، لذا كان التحرك الانقلابي هدفه الاساسي اقامة جيش قوي، وهذا ما تم اعلان فشله الذريع في حرب 1967 حيث اكتشفنا اننا لم نكن نمتلك جيشا، فلا يوجد جيش يتفكك في عدة ساعات، وهذه الهزيمة فككت شرعية النظام، ومع ذلك استمر بعد ذلك.

ولماذا لم تحدث الثورة وقتها؟

ــ بالنسبة لي هذا هو السؤال الكبير الذي يحتاج إلي جهد واجتهاد من اجل الاجابة عليه. هذه الثورات كان يجب ان تحدث عندما خرج الطلاب المصريين عام 1968 في المظاهرات التي ادت إلي محاكمة قادة الطيران، ساعتها كان يجب أن ينقلب النظام رأسا علي عقب، كان يجب أن يدفع هذا النظام ثمن هزيمته، التي جعلت الوطن ينهزم. وساعتها بدلا من المحاكمة اخرجت لنا تلك الانظمة دعاية تواصل ممارسة السخرية من عقول شعوبها بأن هدف العدوان اسقاط الانظمة بالتقدميةا وطالما لم تسقط الانظمة فالعدوان إذن لم يحقق هدفه، وكأن سيناء كلها، والجولان كلها، وباقي ارض فلسطين كلها غير مهمة ولكن المهم بقاء النظام زالتقدميس.وبقيت الأنظمة بتركيبة قمعية مافياوية، وسقطت الأيديولوجيا ولم يبق سوي نظام الخوف.

المثقف والثورة

ألم يكن هناك دور للمثقفين في إشعال أو إطفاء هذه الثوارت المفترضة في ذلك الحين؟

ــ ما يحدث الآن هو ان التيار الديموقراطي والليبرالي والعلماني واليساري يدفع ثمن عدم قدرته علي بلورة مشروع بديل للنظام الديكتاتوري. بالطبع هذا العجز نتيجة عددا من الاسباب ومن الممكن ان نتحدث كثيرا عن القمع الذي مارسته الانظمة ضد هذه التيارات ولكن التفكك الفكري لهذه التيارات سبب مهم، أيضا الالتحاق بالأنظمة، ولدينا النموذج المروع  الذي

صنعه الشيوعيون المصريون بحل منظماتهم وخروجهم من المعتقلات إلي مؤسسات النظام الناصري مباشرة في 1964، وتبعهم في هذا الأحزاب الشيوعية في العالم العربي. فالحزب الشيوعي السوري والعراقي دخلا في الجبهة الوطنية التقدمية تحت قيادة حزب »البعث« كلا في بلده، وتم تصفية اليسار خارج مؤسسات السلطة. 
ولا أنكر أن هناك عشرات بل ربما آلاف من المثقفين والمناضلين الذين قتلوا وعذبوا واعتقلوا وطردوا إلي المنافي، ولكن هناك مشكلة حقيقية يجب الالتفات إليها وحلها في حالة اذا اردنا الاشتراك في ثورة قام بها الشعب دون قرار من أحد ومن دون أستاذية من أي جهة، فالشعوب انفجرت، وانفجارها هذا يضيف جديدا إلي علم الثورات، فلم يحدث من قبل أن قامت ثورة بدون قيادة واحدة أو ايديولوجية واحدة او طليعة متماسكة، وهذا تعبير عن ان مجتمعاتنا حية ولم تمت، كما تصور الكثير، وهذا يجب ان يعلمنا التواضع، وايضا ان نعاود التفكير في أفكارنا، وثالثا ان موضعنا كمثقفين او مناضلين لا يجب أن يكون إلا مع الشعب.
الخطأ الآن أكبر
هل هناك طريق آخر كان يمكن للمثقف أن يسلكه بعيدا عن الدولة؟
ــ بداية الحديث ليس له علاقة بالاشخاص، فهناك من أعرفهم شخصيا واقدرهم واحترم نضالهم، ولكن يبقي سؤالي هل يجوز أن يخرج الواحد من سجن النظام مباشرة للعمل في الاجهزة الدعائية للنظام! ورأيي ان الخطأ كان أكبر من كونه خطأ اشخاص ولكن خطأ منظومة فكرية لها علاقة بانحطاط الفكر الاشتراكي صنعها الاتحاد السوفيتي وبرر بها وجود هذه الانظمة، وانصاع مثقفونا لها، واصبحت الثقافة في خدمة هذه الانظمة، ليأتي محمد حسنين هيكل بأهم كتاب مصر  الذين هم أهم كتاب العرب-  ليضعهم في الاهرام.
ولكن هناك مسئوليات فردية ايضا، فهناك مناضلون لم يوافقوا، وفضلوا البقاء في منازلهم، وهناك مثقفون ذهبوا إلي لبنان وانخرطوا بالمقاومة. ما اريد أن أقوله أن الالتحاق بالنظام لم يكن قدرا وحيدا أمام المثقفين، وهذا سؤال يجب أن يفتح ويناقش بجدية، لأن هذا ليس تاريخ مصر وحدها ولكنه تاريخ يخص العرب جميعا.
المسألة الثانية هي التركيبة التي صنعها نظام مبارك، من بعد نفي السادات للمثقفين، حيث حددت علاقة النظام بالاسلاميين دور المثقفين، فتحت مسمي »التنوير« تم حشد المثقفين ليكونوا تحت عباءة النظام، فأي تنوير هذا الذي صنعته سوزان مبارك؟! فأنا أخجل من هذا الموقع التنويري إذا كانت هي صانعة التنوير.
وهنا برأيي ارتكب خطأ آخر، يجب أن يناقش ويحاسب المسئولون عنه، فإذا بررنا ما حدث في فترة ناصر بأن اليسار الستاليني كان التيار الرئيسي للمثقفين المصريين، وكان من الصعب مخالفة أفكار الاتحاد السوفيتي، فبماذا يمكن أن نبرره أيام مبارك، فأنت هنا لا تواجه ايديولوجية تجبرك علي تأييد نظام مبارك لأنه اشتراكي، فلا مبارك اشتراكي، ولا الاتحاد السوفيتي كان موجودا. فأنا هنا أتساءل هل هو الفساد؟ هل هي الانتهازية؟ وانا برأيي ان هذه العوامل ليست كافية ولكن هناك مسألة أخري اعمق وهي انهيار القيم، أو انهيار الثقافة كقيمة، فمن المفترض اذا لم يكن إبداعك أهم من رئيس الجمهورية ونظامه، فلا داعي لأن تكتب، ولا يجب ان تكون انت وكتابتك في خدمة أحد، لذا اري ان هناك انهيارا في قيمة الثقافة نفسها، ومعني الفعل الثقافي، وهذا يعبر عن نفسه ليس في مصر فقط ولكن لديك علي سبيل المثال تجربة العقيد الموتور في ليبيا، سيل المؤتمرات التي عقدها مثقفون كبار لمناقشة فلسفة الكتاب الأخضر، وقد يبدو هذا بسيطا في مقابل النقاد الادبيين الذين حللوا مجموعتين قصصيتين للقذافي لا تساوي ثمن الورق الذي طبعت عليه، وفي عراق صدام حسين ايضا نماذج علي هذا الانهيار، وبالطبع هذا لا ينفي وجود نماذج مشرقة وشريفة فنصر حامد ابو زيد هو بالنسبة لي شرف الثقافة العربية وعارها في الوقت ذاته، وعندما يرفض صنع الله ابراهيم جائزة الرواية من فاروق حسني فهو يعيد الشرف للرواية العربية، ولكني هنا اتحدث عن الاتجاه الذي كان مسيطرا علي الالة الثقافية، ويقيم المؤتمرات والمهرجانات ويظن أنه يمكن شراء المثقف بسفرية لأيام عدة. برأيي تحليل هذا الانهيار مهم جدا، حتي نتحرر من النظام القديم، فكل هذه الظواهر انعكاس لسيطرة النظام الاستبدادي علي الثقافة في مصر، حتي نستطيع أن نشارك بالثورة بشكل حقيقي.
فكلنا مطالبون بنقد أنفسنا كي نستطيع أن نفهم هذا الشعب الذي أعطانا درساً بليغاً في الثورة.
فقد آن الأوان كي نخرج من كل التجارب المريرة التي مررنا بها بمشروع أو بمشاريع لبناء دولة المواطن، والتي هي ليست في النهاية جنة البشر علي الأرض ولكنها علي الاقل تضمن الحقوق البسيطة، وتخلق اطارا مجتمعيا للتفاوض والتداول حول المشاكل. العالم العربي اليوم أمام إمتحان كبير واحتمالات الخسارة ليست قليلة ولكن ايضا احتمالات الانتصار موجودة، المهم أن توجد نخبة تعرف كيف تطرح الشعارات الصحيحة، وتعرف كيف تبني علي هذا الاساس.
المواقف المترددة
ولكن هناك نغمة بدأت في الانتشار تري اننا وصلنا لنقطة أسوأ مما مضي..بسبب الثورة؟
ــ  لا أفهم المواقف المترددة من الثورات العربية التي تعيد ترديد نغمات النظام القديم نفسها التي كانت تلوح طوال الوقت بشبح الاسلاميين، او الحديث عن الاسلاميين كمرادف للجهل والتخلف لذا فإن النظام القديم أفضل، كل هذه المقولات بالنسبة لي تافهة، فالتغيير بدأ، والثورة عملية طويلة ومعقدة، ومن واجبنا أن نواكب الثورات ونتفاعل معها ونكون جزءا منها، رغم الاثمان التي يمكن أن ندفعها، فالثورة ليست  الثمانية عشر يوما في ميدان التحرير، الثورة هي ما تمر به مصر حاليا، وستكون صعبة، ولا توجد نتائج حتمية في هذا النضال، من الممكن أن تهزم الثورة، جائز، ولكنها لم تنهزم بعد حتي الآن.
خطأ الثوار
هل هذا يعني أنه لم توجد عقبات يمكن أن تحرف المسار..أو تهزم الثورة نفسها؟
ــ يجب الاعتراف أن هناك أخطاء تم ارتكابها بداية من القبول باستلام المجلس العسكري للسلطة، فمصر يوجد بها دستور ومن المفترض ان هذا الدستور ينص علي استلام رئيس المحكمة الدستورية الحكم في حال خلو منصب الرئيس، قبول الميدان بهذا كان خطأ استراتيجيا كبيرا، علي الرغم من رأيي أن المؤسسة العسكرية المصرية تصرفت بعقلانية في أيام الثورة الأولي، حتي بعد ازاحة المشير تصرفت المؤسسة بعقلانية، فهناك حد أدني من الاحترام لدي المؤسسة العسكرية يجب الاعتراف به حتي نكون موضوعيين، خاصة عند المقارنة بالحالة الليبية والسورية، فهناك لا يمكنني ان أصف الجيش السوري او الليبي بالمؤسسة ولكن هناك شيء آخر لا اعرف كيف يتم توصيفه.
أخطأ شباب الثورة أيضا عندما لم يقيموا جسدا موحدا يمكنه ان يتحدث باسم الثورة وقيادتها، وبالتالي دخلنا في متاهة والتي انتهت بالانتخابات الرئاسية، والتي لم تنته بخسارة بالنسبة لي فالخسارة الحقيقية كانت في حال فوز أحمد شفيق، بينما الإخوان طرف شرعي ولديه تاريخ، كما انه من ناحية اخري جزء من آلة النظام اساسا، منذ قرر أنور السادات تصفية اليسار وتصعيد الاسلاميين.
خطأ أخر مثل ترشح أكثر من مرشح محسوب علي الثورة في الانتخابات الرئاسية فرأينا حمدين صباحي وابو الفتوح مثلا وهو ما انتقص من اسهم كليهما وسمح لشفيق ومرسي بالصعود.
هناك سوء ادارة للثورة نتيجة عدم وجود تنظيم عقلاني للمسألة السياسية وهذا راجع لأن النخب والجماهير المصرية لم تمارس السياسة منذ أربعين عاما. 
وفي رأيي ان هذه الفترة هي فرصة الجميع لتعلم السياسة، وأري اننا يجب إلا نتعامل بتشنج مع الاسلاميين، بل يجب أن نفتح معهم حوارا، او بشكل أدق أن نفرض عليهم الحوار لأنهم لا يرغبون في المحاورة، ويجب أن ننقل النقاش من سياسات الهوية إلي السياسة، فالمشكلة ليست في هويتنا ولكن المشكلة في التعليم والبطالة والصحة والأجور إلي آخره. فأنا مع فرض حوار مع الاسلاميين حول هذه القضايا ببرنامج سياسي حتي نتعلم نحن ممارسة السياسة ويتعلموها هم أيضا. فلا داعي للخوف من الاسلاميين أو غيرهم، فما حدث في الثورة وما يجب الحفاظ عليه هو إنهاء إمكانية وجود ديكتاتور، فيجب أن تخرج النخب المصرية من حالة التشتت والتخبط وتجد صيغة لقيام ائتلاف وطني ديموقراطي ليبرالي يساري واسع هدفه دولة مدنية تساوي بين جميع مواطنيها، ونرجع لرفع شعار ثورة 1919 بالدين لله والوطن للجميعا، لا أدري لماذا لا تستحضر النخب المصرية تاريخها وتراثها الديموقراطي ليعطيها دفعة في هذه الأيام، والمعركة مازالت مستمرة.
تدمير سوريا 
وإذا انتقلنا إلي الوضع في سوريا حيث يري الكثير أن تعقد الوضع السوري ألقي بظلال قاتمة علي الثورات العربية؟
ــ النظام القائم  في سوريا مختلف عن النظام الذي كان قائما في مصر، نظام مافياوي قائم علي النهب، ومستند علي علاقات عشائرية، وتحت يديه مؤسسة عسكرية لا بنية لها، ربما يوجد رئيس أركان ولكن لا توجد أركان بالأساس، والعلاقة مباشرة بين القصر الرئاسي وأي قائد سرية. 
ثانيا: النظام السوري يستفيد من عاملين الاول هو الموقف الروسي الداعم له، في حين يبدو موقف بوتين كما لو كان يستعيد وجود روسيا كدولة كولونيالية، واذا دققت في الخطاب الروسي المساند للأسد ــ والذي مازال بعض اليساريين العرب يعجبون به ــ ستجد جوهره يدافع عن الأقليات، عن المسيحيين، وهي نفس الحجة التي استعملتها الدول الأوربية في القرن التاسع عشر لتبرر دخولها إلي الشام، ففرنسا تحمي الكاثوليك، وبريطانيا تحمي الدروز، وروسيا تحمي الأرثوذكس.
والآن النسبة العظمي من مسيحيي سوريا أرثوذكس، لذا يبدو خطاب روسيا خطابا استعماريا أكثر منه خطاب مساندة. وهناك ايضا موقف أمريكي له علاقة بالموقف الإسرائيلي وهو منع تقديم أي دعم فعلي للثورة السورية، حتي ينهي بشار الأسد المهمة التي دفع لأجلها الأمريكيون مليارات الدولارات في العراق، وهي تدمير سوريا، لأن سوريا بلد مفتاح في الصراع العربي الاسرائيلي، ولأن الأرض السورية محتلة فأي نظام ديموقراطي سيقوم في سوريا سيواجه سؤالاً أول وهو ماذا سنفعل في الجولان؟ فإذا كانت الاجابة المفاوضة فإسرائيل ترفض ذلك من زمن، واذا قرر هذا النظام الذهاب للأمم المتحدة فإسرائيل لا تهتم لقرارات الأمم المتحدة، لذا سيجد هذا النظام الجديد في سوريا دفعا كبيرا لناحية الصراع المسلح وهذا ما لا تريده أمريكا ومن خلفها بالطبع اسرائيل، لذا يبقي الحل هو أن تدمر سوريا تماما كي لا تتمكن من النهوض قبل سنوات طويلة. إذن هذا هو الموقف الروسي وهذا هو الموقف الأمريكي، ومن يتكلم عن مؤامرة في سوريا ينسي أن الثورة استمرت ثمانية أشهر بلا سكين، شعب يخرج ليتظاهر ويقتل بالعشرات وبالمئات أحيانا، وحمل السلاح في سوريا بل وقيام الثورة نفسها في سوريا لم يأت بقرار، مثلها مثل الثورة في مصر، بل يمكن القول أن الأمر بدأ ب »لعب عيال« عندما قام أطفال في درعا بالكتابة علي الحوائط بعد سقوط مبارك »الشعب يريد إسقاط النظام «فتم القبض علي الاطفال وتعذيبهم بشكل وحشي، ولما ذهب الاهالي لإطلاق سراح أطفالهم أهينوا اهانات مخجلة، فخرج في اليوم التالي مائة ألف مواطن للتظاهر في درعا، هكذا بدأت الثورة. وكان النظام السوري قد قرر مع بداية الأحداث اتباع الاستراتيجية نفسها التي اتبعها النظام الايراني عندما قمع الثورة الخضراء في 2009، وهي القمع المباشر منذ البداية ولكن لم تفلح هذه الاستراتيجية، لذا لجأ إلي اتباع اسلوب آخر وهو استراتيجية »جروزني« عاصمة الشيشان التي دمرها الروس، وبالتالي قرر الاسد تدمير البلاد. لذا فالناس تسلحت بلا قرار جماعي وانا مسئول عما أقول. وساعدت الانشقاقات في تحويل الثورة إلي صراع مسلح بين الجيش السوري الحر وتشكيلات مدنية مسلحة إلي جانبه، في مواجهة جيش النظام وميليشيات مدنية تساعده وهي التي يسميها السوريون بالشبيحةا. فلم يكن هناك قرار بالتسلح.
واذا اردنا أن نري الثورة السورية كمؤامرة فيجب أن نراها في ضوء المواقف التي تدعي ذلك، فبداية لدينا الرأي القائل بأن الثورة في سوريا قام لضرب المقاومة، فليكن ولكن دعنا نسأل السؤال البسيط: منذ متي وإسرائيل تحتل الجولان؟ وهل هناك مقاومة بالجولان؟ سؤال آخر: كيف تعامل النظام السوري مع المقاومة الفلسطينية؟ سنجد أن النظام السوري أباد المقاومة الفلسطينية، ففي عام 1982 طرد الاحتلال الإسرائيلي المقاومة من بيروت، ولكنه لم يطردها من لبنان، تجمعت فصائل المقاومة في البقاع وفي الشمال، وبدأ الانسحاب الإسرائيلي من بيروت، فكان من المنطقي أن تعود تلك الفصائل إلي أماكنها مرة أخري، ولكن ما حدث هو أن قام الجيش السوري بتطويق طرابلس وطرد منها ياسر عرفات. هذه حادثة تاريخية يعلمها الجميع.
واذا كانت اسرائيل في 1982 بالتعاون مع حلفائها الكتائبيين قد قامت بمذبحة صابرا وشاتيلا، ففي 1986 قامت حركة »مل« بدعم من الجيش السوري بتدمير مخيم صابرا وشاتيلا تماما، ولم يبق منه إلا أقل من ربع حجمه، لدرجة أنهم حولوا مقبرة شهداء المذبحة إلي مقلب قمامة، ولم يتم تنظيف المقبرة إلا في عام 1998 عندما احتفلنا بالذكري الخمسين للنكبة، فعن أي مقاومة يتحدثون.
من ناحية أخري النظام الإيراني يقاتل بجانب النظام السوري، وهذا ليس معني مجازيا، ولكن بالفعل هناك عناصر مقاتلة من الجيش الإيراني، بينما يكتفي رجالات المحور السعودي بالحديث في الفضائيات بدون أي مساعدة فعلية علي الأرض.
النفوذ المدمر
والحديث عن تهريب السلاح للجيش الحر عبر الحدود التركية ؟
ــ لا يوجد تهريب سلاح، يوجد سلاح يشتريه السوريون أنفسهم، وانا أعرف صحفيين كثيرين ذهبوا لمنطقة الحدود السورية التركية ولديهم الكثير من التفاصيل التي تؤكد عدم وجود تسليح للجيش الحر، ونشرت هذه التقارير والتحقيقات. لأن هناك قرارا أمريكيا بعدم تسليح الجيش الحر، وكلنا نعلم أن السعودية لا تستطيع أن تخالف القرارات الأمريكية. فهل نفترض الشعب السوري الآن ينتظر أن تدعمه السعودية، وحتي إذا حدث هذا، فهل مطلوب من السوريين أن يتوقفوا عن الثورة إذا دعمتهم السعودية؟!
والموقف السعودي من الثورة المصرية ظل مع مبارك حتي اليوم الأخير، وفي تقديري إذا نجحت الثورة السورية وتحسن الوضع بمصر بعض الشيء، وتشكل محور مصري سوري، فإن هذا كفيل بإلغاء الدور المزعوم لدول الخليج مجتمعة. هذا النفوذ الخليجي المدمر للأمة العربية وثقافتها وحياتها سوف يتحطم.
وهذا ما نراه من زاوية الجغرافيا السياسية، فخروج مصر من الحالة العربية سلم الوضع العربي للنظام السعودي، وسياسة نظام مبارك ــ التي لا استطيع تحديد معالمها ــ سلمت القيادة بشكل مخجل للسعوديين بدون أي موقف مصري، لذا أي موقف مصري مدعوم من دولة بحجم سوريا سيغير معطيات المنطقة كلها. فالمركز هنا في القاهرة، وأنا لا أتصور أن يصبح مركز الأمة العربية في ابو ظبي مثلا.
لذا أري أن الخطاب القائل بأن الثورة السورية هي مؤامرة الهدف منها إبقاء الديكتاتور، إعادتنا إلي هذه اللحظة التي لعبت عليها الأنظمة القمعية كثيرا، وهي أن الديكتاتور أفضل من اي بديل آخر قد يكون مجهولا، وان الديكتاتور هو رمز المقاومة، فإذا كان الديكتاتور هو رمز المقاومة، فأنا حزين علي المقاومة التي صرفت عمري كله فيها.
حرب بين الشعب والنظام
وماذا عن الحديث حول أن الثورة في سوريا قد انتهت وتحول الأمر إلي مقتلة طائفية؟
ــ  بالتأكيد الوصف العلمي لما يحدث في سوريا أن هناك حربا، فليكن، ولكنها حرب بين الشعب والنظام. ومن قال إن الثورة يجب أن تكون سلمية، راجع تاريخ الثورات بالعالم، ربما تبدأ الثورة بمظاهرات ثم ينحاز طرف إلي الجماهير فيحسم الأمر سريعا كما حدث في تونس ومصر حيث وجدت مؤسسات عسكرية لديها حد أدني من احترام النفس فانحازت لصالح الشعوب فساعتها يمكن اسقاط رأس النظام، ولكن تبقي مسافة طويلة حتي يتم إسقاط النظام ذاته. 
ولكن المعتاد في تاريخ الثورات أن تكون الحرب هي الاحتمال الأكثر ترجيحا للأسف، الثورات فعل عظيم، لكنه شديد القسوة، الثورة تكون جميلة فقط عندما نتذكرها، ولكن للأسف هذا هو المسار الذي تم فرضه علي الثورة، ورأيي أن مشكلة الثورة السورية اليوم هي عدم وجود دعم حقيقي لها، وواجبنا نحن كمناضلين ديموقراطيين في العالم العربي والعالم هو ايجاد طرق لدعم الثورة السورية.
من الصعب تحديدها
برأيك إلي متي يمكن استمرار الوضع في سوريا بهذا الشكل؟
ــ لا استطيع أن أحدد بالطبع، ولكن يمكنني القول أن النظام في سوريا سقط، أما متي ينتهي فهذه مسألة من الصعب تحديدها، من الممكن ان ينتهي في خلال أسبوع أو عام ، ولكن فعليا النظام  لا يحكم ولا يسيطر، وحتي عندما تحتل قوات الاسد مدينة، ثم تحين لحظة الانسحاب ذ ففي النهاية لا يستطيع الاسد نشر قوات الجيش في كل شارع ذ يأتي المتظاهرون ليستعيدوا المكان مرة أخري،والثورة السورية الآن قد حررت ما يقرب من 60 في المائة من أراضي البلاد، ما ارجوه فقط أن يتوقف الدم، لكن النظام سقط وليس في مقدور بوتين أو خامئني أو حسن نصر الله أن يعيده مرة أخري. المسألة هي أن النظام يستطيع الاستمرار لأنه مدعوم، ومغطي دوليا، لأن هناك رضا دولياً عن هذه المقتلة التي تدمر سوريا. لكن الثورة لن تتوقف، فطالما بدأت لن يستطيع احد ايقافها وفي الحالة السورية فإن كمية الدماء والاصابات والاعتقالات والاختطاف تجعل من المستحيل علي هذا الشعب أن يهدأ ويعود الوضع علي ماكان عليه، هناك الآن داخل سوريا مليونا لاجيء، مدينة مثل حمص كان يسكنها مليون نسمة، عدد سكانها الان يترواح بين عشرين وثلاثين ألفاً. النقاش يجب أن يكون حول كيف تنتصر الثورة السورية وليس كيف يتم ايقافها؟!.

عناوين الاخبار الاخرى
مختارات