أحدث الأخبار

موسى العمر / صحفي ومذيع سوري

12 Punto 14 Punto 16 Punto 18 Punto

الفيروس السوري

24 November 2012 Saturday

سمعت انو فلان عبيسرق .. وفلان عميل .. وفلان مخبر .. وهاد مدعي .. وهاد حقير.. وهاد حقو نص فرنك .. والتاني كذاب والتالت نصاب والرابع غير مريح وشو اسمو غير وطني وهداك مع الثورة من بره بس من جوا مع النظام .. ومين هاد بالله؟ وشو تاريخو؟ ومين بمثل؟ وعفكرة هاد بقبض.. وفلان متخاذل وعلان خاين وهذا ولاؤه لإيران وذاك لقطر وذاك لأمريكا .. ووو وهكذا ..
هذه عبارات (عامية) يتناولها (بعض) السوريين الذين يعانون البطالة الثورية أو السياسية أو حتى الحياتية منها، بعد ما يقارب السنتين من ثورة عظيمة لا مثيل لها في التاريخ الحديث دماً وتضحيات فنادرا ما تجد معارضاٌ يمدح آخر في جلسة خاصة أو يثني عليه بين القوم أو يتحمل الخلاف لأجل الوطن والثورة .. وهذا لا ينطبق فقط على الشخصيات السياسية أو حديثة النضال ما ظهر منها وما بطن بل حالة عامة وفيروس سوري هو اكبر تحد بعد سقوط النظام الحتمي.
وبدون زعل 
تجد المعارضة (كأفراد) أكثر من يعاني من هذا الداء ممن ركبوا قطار الثورة والتغيير لدوافع يغلب عليها الانتفاع أكثر من الإقتناع ممن ظنوا ان المقابلات التلفزيونية (بكلام مكرور) تصنع نضالاً ومجداً وثقلاً .. فوقعوا صرعى الغرور حتى ظن بعضُهم أنه ربُّ الثورة وإلهُ الجيش الحر وحاجباً على ابواب الوطن يهبُ صكوك الوطنية لمن يشاء وينزعها عمن يشاء علماُ أنه لا يستطيع التحكم بخمسة متظاهرين او كتيبة معدودة ولا مانع لديه من أن يخوِّن مثلا- قامة وطنية كميشيل كيلو أو غيره ممن عانى في غياهب السجون وأكل ضربا مبرحا امام القصر العدلي يوم كان من يتهمه يقبل أيادي المخابرات بكرةً وعشياً آنذاك فقط لأنه خالفه في الرأي والرؤية والاجتهاد. لدرجة أوقعت الشعب السوري بل وحتى العالم في حيرة هل نحن أمام ورطة في ثورة عظيمة اسمها المعارضة؟.
ولا شك أن من أراد أن ينظر بعين الرضا سيجد أن الشعب السوري العظيم سطَّر ملحمة ً سيذكرها الناس له في قابل الأيام والعصور .. ومن أراد عين السخط فسيجد فيه من المآخذ كحال البشر أخطاء وعثرات .. لكن عين العقل هي من يجب أن تقف هنا فننظر في الأمر ونعجم في عيدانه ليستوي ويستقيم أفضل من أن يبقى في اعوجاج.
ولعل هذا الداء في المعارضة والشعب كان نتيجة طبيعية لإثنين وأربعين عاماُ من القمع والقهر والنهج البعثي القائم على الأفضلية ودق الأسافين بين الناس ليصبح بأسهم بينهم شديد وكلهم يرى في شريكه في الوطن منافساً ونِداً يجب التصدي له وأن ولائي لمن يحكمني هو الضامن الآمن لي ولمستقبلي.
ويعلم ُ السوريون في الخارج تحديداً وغيرهم من الداخل أن هذه التربية ساهمت في استعداء بعضهم بعضاً على مدى سنين عددا لذلك لا أكشف سراً إن قلت: إن الجاليات السورية في الخارج قبل الثورة هي من أضعف الجاليات ترابطاٌ وصلة .. نتيجة ما سبق بثورة شك مبطنة بين بعضهم بعضا.
أضف الى كل ذلك عقدة قديمة عند السوريين تتجدد وهي (الزعامة) ولعل هذه العقدة في طريقها للعلاج نظراً لأن الكرسي في سوريا بعد النظام السوري وأمام حالة التدمير لم يعد مغنماً في سوريا بل مغرمٌ وبلاء ٌعظيم يورد صاحبَه المهالك .. ومصارعُ القوم تُصنع على ارجله الاربع وكما قال مصطفى السباعي: يا بني لا تستعجل الرياسة ، فإن كنت أهلاً لها قدَّمك زمانُك ، وان لم تكن لها أهلاً استعجلت ليرى الناس ُ علَّة النقص فيك.
يقول قارىء: هذا تشخيصٌ وتنظير ٌهات العلاج.. دُونك هو: 
الكل يعلم أنه في بداية الثورة وحتى أشهر قريبة وقبل أن يلزمها النظام بقمعه وسفكه للدماء أن تتجه نحو العسكرة وحمل السلاح كان الناس في سوريا وخارجها لهم قلبٌ واحد، همٌ واحد، هدفٌ واحد . فترى من يصنع الطعام لمظاهرة ومن يأتي بعصير وماء .. يرقصون معاً ويغنون معاً ويضحكون معاً ويبكون معا ً وهمهم واحد ..الى أن دخلت الثورة الخيار المر والشر الذي لا بد منه الا وهو العسكرة التي أدى خذلانها دولياً وعربياً وحتى شعبياً الى دخول المال والسلاح من هنا وهناك فكثر التخوين واشتدت الحساسيات التي أرعبها المال السياسي وكان السبب الرئيس لذلك غياب التنظيم والوحدة .. الى أن من الله على الثورة بولادة الإئتلاف المعارض وتوحيد المجالس العسكرية فقلل الى حد كبير من انتشار الفوضى الثورية والتنظيمية. 
فالأصل الطيب والكريم النفيس للشعب السوري موجود وطالما أن لكل امرءٍ شيطانه فحتما سيبقى في قمقمه ولن يستيقظ طالما أن من يقف له بالمرصاد ملاكُ الرحمة والشفقة التي تبني الأوطان وتهذب النفوس.
ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه السوريين بعد رحيل النظام هو في إعادة تكوين الشخصية السورية التي شوهها وقتلها لكنها لم ولن تمت .. هذه الشخصية المحبوبة الجميلة الرائقة الشجاعة الضاحكة المستبشرة التي تتحمل غبن بعضها البعض في سبيل الله والوطن والشعب وستفعل.

مختارات